استهلال
مفهوم المبادرة في اللغة مصدر بادر أي سبق إلى اقتراح أمر أو تحقيقه ، وفي يده زمام المبادرة ، الأمر مفوض إليه ، بادر يبادر مبادرة وبدارا وهو الإسراع وعدم المماطلة ، مفهوم المبادرة بشكل عام ، الإسراع إلى فعل شيء بهدف التغيير ، هذا الشيء قد تكون فكرة أو عمل أو أي شيء آخر مقيد بهدف التغيير .
دولة قطر قدمت مبادرات إقليمية كثيرة لتسوية النزاعات في الفضاء الإقليمي بهدف إنهاء النزاعات العنيفة عبر حوار سياسي بين الأطراف المتنازعة ، طرحت قطر مبادرات ووجدت القبول عبر الحل بالطرق السلمية لتحقيق مصلحة المجتمع الدولي وتحقيق السلم والأمن الدولي ، وتعتبر تسوية النزاعات الدولية أهم المواضيع التي أهتم بها القانون الدولي منذ نشأته وأهتم بها الآباء المؤسسيين للمنظمة الدولية منذ أيام التأسيس .
تتعدد أسباب النزاعات وتتداخل الأسباب ما بين الدول وما بين المكونات الداخلية في الدولة الواحدة ، عرف المجتمع الدولي عدة وسائل لتسوية المنازعات الدولية عبر الطرق الدبلوماسية ، ومجالات أخرى كثيرة بعد تطور البشرية ونبذها للحرب واستخدام القوة التي كان يجيزها القانون الدولي القديم، ولكن بعد ظهور المبادئ الجديدة في القانون الدولي المعاصر حرمت الحرب وظهر مبدأ التسوية السلمية للمنازعات الذي يقضي بن تلزم جميع الدول بفض منازعاتها بالطرق السلمية ، ولا يجوز حل المنازعات الدولية باستخدام القوة وابتدعت وسائل ودية في تسوية النزاعات في أطار التنظيم الدولي الجديد المفاوضات والوساطة والتوفيق الالتجاء إلى المنظمات الدولية والوكالات الإقليمية .
في ظل النظام العالمي الجديد ظهرت موجة الإقليمية الجديدة وأحدثت تأثيرات عميقة في قواعد النظام الدولي والنظم الإقليمية لبناء السلام في المجتمعات لتحقيق الموجة الثانية “الإقليمية الجديدة” للاهتمام بالسلام والأمن الدوليين .
يمكن اعتبار السلام آخر القضايا الخطيرة في السياسية الدولية بالنسبة لدعاة الإنسانية ، ولكن الدول ترغب بالسلام فقط في حال ضمان الأمن والحفاظ علي التراث ، والاكتفاء الاقتصادي ، والقوة والهيبة ، إلى حد مقبول ، هذا التفاني اللا مكتمل لهدف السلام النهائي كان سببا في أعاقة تحقيقه لفترات طويلة ، وفي الوقت الذي ينوه الزعماء الوطنيون وبصورة روتينية إلى السلام كهدف ملح ، فإن هنالك تحذير ضمني بضرورة تحقيق أهداف السياسة الدولية الأخرى وبقدر مقبول كشرط مسبق للسلام إذ تؤثر الدول القتال علي التخلي عن هذه الأهداف التي تمثل جوهر ما يشار إليه عادة بالمصلحة القومية(1)
أن الدافع الرئيسي لجهود الوساطة القطرية هو خليط بين عدة عوامل ، أضافة إلى أسباب دينية وأخلاقية دفعت قطر نحو القيام بهذه الجهود الدبلوماسية والإنسانية لإصلاح ذات البين من أجل تحقيق السلام والاستقرار ، ثم أن الموقع الجغرافي لدول قطر ووقوعها بين قوتين متنافستين رئيسيتين : المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية الإيرانية ، لا يترك لها خياراً سوى أتباع سياسة خارجية مستقلة ومحايدة ، لذا يعتبر تبني الوساطة والمفاوضات والدبلوماسية الوقائية وبناء السلام خياراً استراتيجياً للمحافظة علي سيادة قطر واستقلالها السياسي(2) .
السياسة الخارجية لدولة قطر تقوم على مبدأ توطيد السلام والأمن الدوليين عن طريق تشجيع فض المنازعات الدولية بالطرق السلمية ودعم حق الشعوب في تقرير مصيرها وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول والتعاون مع الأمم المحبة للسلام(3) .
الإطار النظري ( مقاربات فكرية) لبعض المفاهيم:
يشكل الاطار النظري المعرفي مدخل ألي بعض المفاهيم مثل الدور الوساطة والسلام المصالحة والمفاوضات والاستقرار السياسي يتطلب ذلك جملة من الإجراءات المنهجية والمرتبطة ببعضها البعض بتشكيل منهجي ، لأنها تمثل مسيرة منهجية يتطلبها البحث العلمي ، فالمفاهيم تعد هي لغة البحث في تبيين المقاصد ومحتويات الفكرة وأبعادها المنهجية .
المفاهيم العلمية مرتبطة بالأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية للظاهرة محل الدراسة ، وقد يطرأ عليها بعض التغيرات ، وهي بالتالي تظل مسألة تحديد المفاهيم تصويرا علميا لأنها ما لم تحدد بصورة كمية ، وهي بالطبع تجعل لمقاصدها حدوداً معلومة
طالما أن مفهوم العلم مرتبط بتحديد المفاهيم والمصطلحات ، فإنه يتحتم علينا أن نتعرض للأطر النظرية ، التي يزخر بها علم السياسة المعاصرة في جميع الابعاد والجوانب ، محاولين في ذلك بتبسيطها بقدر الإمكان ، حتي يمكن للباحث السياسي المبتدئ أن يستوعبها ويطبقها في دراسته الحاضرة والمستقبلية (4)
اتجهت دراسات عديدة في ظل المتغيرات العالمية إلى إلقاء الضوء علي دراسة النزاعات والسلام والمصالحة ، العالم الآن يشهد انعدام الاستقرار في دول الجنوب ، مما يستدعي لزاما علي الباحثين تطوير الاقترابات والمقاربات التي تعالج التحديات الجديدة علي العالم مثل أنتشار السلاح والحرب والقتال والصراع ، وعدم التوافق بين مكونات الدولة وانقسام الشعب علي نفسه ، نقف عند بعض المفاهيم مثل الدور ، الوساطة ، السلام والاستقرار السياسي .
تعريف الدور:
الدور ما يقوم به كل فرد من وظائف ومهام إذا كان عضوا في تنظيم سواء كان هذا التنظيم أداري أم اجتماعي أم سياسي أم اقتصادي ، فالفرد في أي منظمة لديه أدوار محددة يحب عليه أن يقوم بها (5)
أنتقل الدور كمفهوم من العلوم الاجتماعية وعلم النفس الاجتماعي إلى مجال العلاقات الدولية كأداة من أدوات تحليل السياسة الخارجية للدولة ، وكأداة لفهم التفاعلات بين الدول والسمات العامة لها من حيث كونها تعاونية أو صراعية وهي لتفسير أوضاع الاستقرار والصراع في النظام الدولي وبعض النظم الإقليمية ، فالدور يحدد بصورة كبيرة التوجه العام للسياسة الخارجية للدولة وأدوات تنفيذها (6) .
وعرف هولستي الدور بانه النشاط الخارجي للدولة أيا كان طبيعته وسواء كان يهدف للقيام بوظيفة معينة في البيئة الخارجية أو تنفيذ التزامات معينة ترتبها المعاهدات التي هي طرف فيها أو بهدف ابقاء الدولة غير منخرطة في البيئة الخارجية (7) .
فالدور يحدد ما إذا كانت الدولة ستمارس دوراً قيادياً في مواجهة الدول المجاورة لها في الإقليم أم ستتبع قائد آخر ، وما إذا كانت قادرة علي تحقيق أمنها ذاتيا أم أنها ستكون في حاجة لقوى خارجية تضمن بها أمنها كما هو حال بعض الدول الصغيـــرة محدودة الموارد(8) .
بذلك يمكن تعريف الدور علي أنه نشاط مكثف ومقصود وذا غاية محددة للسياسة الخارجية لدولة ما في نطاق جغرافي معين ، قد يكون إقليمي أو دولي وتجاه قضية معينة ، ويتولد منه نمط مميز لسلوك الدولة تختلف عن سلوك الدول الأخرى .
وقد قدمت الأدبيات الخاصة بنظرية الدور وتطبيقاتها في تحليل السياسة الخارجية إجابة علي التساؤل الخاص بالكيفية التي يتحدد بها دور الدولة ، ويمكن في هذا الصدد التمييز بين أتجاهين ، أتجاه يرى أن دور الدولة يتحدد بناء علي سلوك الدول الأخرى ، وبالتالي هو بمثابة رد فعل علي ذلك السلوك في حين يرى الاتجاه الثاني أن الدولة وتحديد القائد السياسي هو من يعرف ذلك الدور.
هذا الخلاف في جوهرة مرتبط بما إذا كانت الدولة تمارس دورها بصورة مقصودة لتحقيق غايات محددة في منطقة نفوذها المباشر ، أم أنه مفروض عليها ومرتبط بظروف طارئة في البيئة الخارجية المحيطة بها .
الوساطة:- Mediation حيث تقوم جهة ثالثة بجمع الأطراف المتنازعة والاجتهاد لتنشيط الرغبة في حل وتسوية الخلافات بينهما ، وعادة ما يقوم الوسيط بإبتدار أو اقتراح صيغة للحل غير ملزمة للطرفين ولكنها تصلح أساسا للتوافق .
الوساطة أسلوب من أساليب فض المنازعات بالطرقة السلمية ، حيث يقوم طرف ثالث خارج النزاع بمساعدة الأطراف المتنازعة في أيجاد حل مرضٍ للجميع عن طريق اقتراح وتقديم حلول وسط ، والوساطة قد يقوم بها طرف ثالث بمحض أرادته ، أو أن الأطراف المتنازعة قد تطلب من طرق ثالث القيام بها ، وتشير الخبرة والممارسة الدولية في هذا السياق ، إلى أن الأطراف المتنازعة ليست مخولة ، حتي في حال الحرب ، بان تنظر إلى أي مشروع وساطة يقدم إليها علي أنه عمل عدائي من قبل الوسيط ، وليس ملزمة في نفس الوقت بأن تقبل أي مشروع وساطة معروض عليها .
ويستمر دور الوسيط خلال مرحلة المفاوضات عن تقديم مقترحات وحلول وسط ، من أجل التقريب بين وجهات نظر الأطراف المتنازعة ، وعليه فإن الطرف الثالث في حالة الوساطة يجب أن يتمتع بثقة الطرفين المتنازعين ، وهو أمر صعب التحقيق في بعض الأحيان ، نظراً لصعوبة أيجاد الطرف الثالث الذي يتمتع بمثل هذه الثقة .
لكن يجب التنبيه إلى أن المقترحات التي يتقدم بها الطرف الوسيط هي بدورها ذات طبيعة استشارية Advisory ، وبالتالي فهي ليست ملزمة علي اعتبار أن الموافقة علي حل نهائي للخلاف أمر متروك لموافقة الأطراف المتنازعة ، ولكن المقترحات التي يقدمها الطرف الوسيط قد تلاقي قبولا أكثر من المقترحات التي تتقدم بها الأطراف المتنازعة ، وعليه يمكن ملاحظة أن الوساطة أصبحت أسلوبا ناجحاً في فض المنازعات الدولية(9) .
هناك تعاريف كثيرة للوساطة منها تعريف ( بيركوفج) و ( هاوستين) الوساطة هي عملية إدارة الصراع حينما تسعى أطراف إلى عون أو يرضون بطرف يقدم لهما المساعدة من أفراد أو جماعة أو منظمة ، وذلك لتغير سلوكها وتسوية نزاعها ، أو حل مشكلتهما ، من دون اللجوء إلى القوة الفعلية أو اضطرار السلطة القضائية إلى التدخل (10).
السلام:
السلام هو الأساس في التعامل ما بين الدول والشعوب في نظر الإسلام ، ولا يلجأ إلى الحرب ألا في حالات معينة منصوص عليها ، جاءت الأديان السماوية والفلسفات الوضعية لإقرار الأمن والسلام ، وللحد من المنازعات والخصومات بين الناس.
السلام أصل إسلامي وأنساني في علاقات الناس وعلاقات الدول ، فلابد من أن يكون في أولى أهداف السياسة الخارجية ، يقتضى ذلك معارضة سباق التسلح لا سيما حينما يتمادى وتتراكم به أسلحة فتاكة تهدد بقاء البشرية وتتسع عدوي اقتناعها بين الدول كما يقتضي شجب المواجهة والحرب الباردة التي تهيئ العالم بالتصعيد والتوتر نحو الحرب (11)
يعرف البعض السلام علي انه نتاج ، لغياب العنف ومن هذا المنطلق فإنهم وبصورة عادية يعنون غياب الأذى الذي يسببه العنف الجسماني بشكل ظاهر ، ذلك العنف الواقع علي الآخرين وعلي ممتلكاتهم وهو العنف الناتج عن الحرب ، والتظاهرات ، والاغتيال والتخريب ، يعني مفهوم السلام هذا ان الحفاظ علي القانون والنظام والبحث عن الاستقرار والنظام الاجتماعـــي والسياسي السلمى نوعا ما ، هي كلها تلك الأهداف الأولية ابتغاء للسلام (12).
السلام اصبح ضرورة ملحة في المجتمع الدولي لبقاء كل الكائنات في بيئة الحياة ، ثم أنه من الحاجات الأساسية التي يسعى الإنسان جاهداً عبر مسيرة حياته ليحس بالطمأنينة والأمن والسلام التي هي جزء من مكوناته الفطرية الداخلية ، السلام الذي نحن بصدده هو ما يعرف بالسلام الإيجابي الذي يتوصل فيه أطراف العملية السلمية ” الجبهة الثورية السودانية” بكامل مكوناتها وحكومة السودان إلى أتفاق عن رضا تأمين وإقتناع بالمكاسب التي تحققت .
أبدت الأمم المتحدة أهتمام كبيراً بالسلام منذ تأسيسها في عام1945م ، فعقب نهاية الحرب الباردة مباشرة في 31 يناير 1992م أجمع مجلس الأمن علي قرار لم يسبق له مثيل ( unprecedented) بتبني طرق لتطوير الدبلوماسية الوقائية ( preventive diplomacy). وفي يوليو 1992م قدم الأمين العام للأمم المتحدة للجمعية العمومية لمجلس الأمم المتحدة تقريراً عرف بـ أجندة السلم ” (UN Agenda to peace) ولصناعة سلام حقيقي دعت الأمم المتحدة متمثلة في أمينها العام الي المساهمة التامة للدول المشاركة في الأمم المتحدة وذلك لدعم جهود الوساطة (Mediation) (13)
يعتبر السلام أحد الأهداف الأساسية لليونسكو منذ أنشائها في نهاية الحرب العالمية الثانية ، بل قد آلت اليونسكو علي نفسها مهمة بناء السلام في عقول البشرية منذ نهاية القرن العشرين ، وهي مهمة بالغة التعقيد نظر لما يكتنف العالم اليوم من حروب وتحولات اقتصادية استراتيجية كبيرة ، كما شهد العقد الأخير من القرن العشرين بداية هذا القرن الحادي العشرين اهتماما كبيرا من قبل اليونسكو ، الأمم المتحدة بأمر ثقافة السلام ونشرها ، لكل ذلك سيتم التركيز علي تعريف الذي أوردته منظمة اليونسكو لمصطلح ” ثقافة السلام” لكن تشير العديد من الدراسات أن الحروب هي الأخرى تطورت تطورا كبيرا من حيث التصنيع والتقانة ، ومن التعريفات التي أوردها اليونسكو لثقافة السلام التعريف التالي ” تتكون ثقافة السلام من القيم والمواقف ، وطبيعة السلوك الإنساني التي تركز علي عناصر عدم العنف وتحترم الحقوق الأساسيــــــــــــــــة للإنسان وحريات الآخرين ، ولقد تم تحديد هذه الحقوق في ميثاق حقـــــــــــــــــــوق الأنسان (14).
المصالحة:
تعني المصالحة في أصلها اللاتيني الرجوع معا إلى المجلس Reconcile, council والعمل في انسجام جماعي ، كما تعني استعادة حالة العلاقة السلمية التي لا يسبب فيها أي طرف للضرر للآخر وحالة يأمن فيها الكل عدم حصوله من جديد ، حيث يلغي الانتقام من قائمة الخيارات المتاحة ، لكن هذا لا يعني أن أستعادة العلاقة السلمية هدف في حد ذاته ، بل لابد من توفير شروط استمرار هذه العلاقة ، أن المسارات التي يتطلبها هذا التحول في العلاقة طويلة ومعقدة .
يركز ليدراش علي المصالحة داخل المجتمع ويقدمها في أربع عناصر ، الحقيقة وتعني التعبير المفتوح حول الماضي، والرحمة وتعني العفو لبناء علاقات جديدة ، العدالة تعني إعادة القيادة الاجتماعية، والتفويض والسلام يعني المستقبل المشترك والحياة الكريمة والأمن بكل الأطراف ، ويميز كليمان المصالحة التي يدعوها ” السلام الايجابي ” (15)
المفاوضات :
هي أسلوب دبلوماسي لفض المنازعات سلميا ، ووسيلة يمكن بواسطها تحقيق المصالحة القومية للأطراف المتنازعة ، أن تحقيق أهداف الأطراف المتنازعة في المفاوضات يتم في العادة عن طريق قبول حل وسط compromise وتسوية ودية يتوصل إليها الأطراف المعنية .
فالسمة المميزة للمفاوضات المباشرة مقارنة بوسائل فض المنازعات الأخرى ـ هي أن الأطراف المتنازعة تتقابل وجها لوجه لمناقشة مشاكلها بقصد الوصول الي حل وسط يرضي الجميع ، أن تقابل الأطراف المتنازعــــــــــــــــــــة وجها لوجه ودخولها في مناقشات وحوارات مطولة ، لا يعني بالضرورة حل المشاكل القائمة (16)
قطر والموقع الجيوستراتيجي:
منذ بدايات القرن الحادي والعشرين تشهد قطر أكثر فتراتها حضوراً في النظام الإقليمي والدولي خلال تاريخها المعاصر ، وتثير سياساتها الخارجية قدراً غير مسبوق من المتابعة للأحداث الإقليمية والتحولات الدولية والمتغيرات العالمية ، في شتى المجالات السياسية والاقتصادية وتسوية النزاعات ولها دور مقدر في الحيز الجيوثقافي عبر القوة الناعمة soft power والتي تعتبر جزء من التظهير السياسي والمعنوي لقوة الدولة .
قطر تمتاز بموقع استراتيجي تقع في شرق شبه الجزيرة العربية ، في جنوب غرب أسيا مطلة علي الخليج العربي شرقا ، ومن الجنوب المملكة العربية السعودية وبحرية مع دولة الأمارات المتحدة ومملكة البحرين ، نالت استقلالها في عام 1971م وقد حكمت قطر أسرة آل ثاني منذ منتصف القرن التاسع عشر التي تمتد جذورها إلى محافظة أشيقر في نجد، نظام الحكم في قطر أمارة وراثية دستورية ، وافق الشعب علي الدستور بأغلبية ساحقة في استفتاء دستوري بنسبة 98% تقريبا ، وتعد دولة قطر من أكثر المجتمعات محافظة علي التقاليد العربية والتعاليم الإسلامية .
مساحة دولة قطر 11.521 كم نظام الحكم أمارة ملكية ، السلطة التشريعية هي مجلس الشورى الذي يتم انتخابه ديمقراطيا ، حكم قطر الأمير تميم بن حمد بن خليفة آل ثاني الذي أرسي دعائم الدولة الحديثة في قطر.
قطر رغم صغر مساحتها ألا أنها أصبحت في الآونة الأخيرة فاعلا دوليا أساسيا من فواعل العلاقات الدولية ، لم تعد السياسة العالمية ترتبط بحجم مساحة الدول بقدر ما ترتبط بحجم المصالح والتكتلات .
الدور المحوري الذي تلعبه أية دولة حسب معطياتها السياسية والاقتصادية وتأثيرها وارتباطها بالدول الكبرى المؤثرة في السياسة العالمية ، وفي الآونة الأخيرة أضحت الدوحة بؤرة الاهتمام العالمي وسطع نجمها كعاصمة شرق أوسطية مؤثرة ، بذلك الحراك الدبلوماسي الواسع الذي تقوده قطر بفضل ارتباطها بالدولة الكبرى الثمانية الكبار وارتباط مصالح اقتصادية واستثمارات تخطت المحلية إلى التشعبات المالية العالمية ، وارتباط بورصة الدوحة ببورصات المال في وول ستريت وداوجونز ونيكاي وناسداك وهذه الارتباطات المالية الضخمة شكلت مصالح كبرى لاستثمارات عملاقة في مجال النفط والغاز ، وهذا أنسحب علي العلاقات السياسية وتأثيراتها علي الأحداث المحلية والعالمية وقد أصبحت قطر عضو نشطا ومساهما فعلا في كثير من الهيئات والمؤسسات الدولية(17)
تعد قطر من الدول المرتفعة الدخل التي تمتلك ثالث أكبر احتياجات العالم من الغاز الطبيعي وثالث عشر أكبر احتياطي من النفط ، وتصنف الأمم المتحدة قطر دولة ذات تنمية بشرية عالية جداً إذ أنها أحد الدول العربية الأكثر تقدماً في مجال التنمية البشرية وتصنف قطر الدولة ذات أعلي دخل للفرد في العالم وتعد قطر لاعبا رئيسياً مؤثراً في منطقة الشرق الوسط ، وقطر تستضيف كأس العام لكرة القدم 2022م وستصبح أول دولة عربية تقوم بذلك .
سياسة قطر في تسوية النزاعات الإقليمية
السياسة الخارجية القطرية تهدف إلى بناء علاقات إيجابية مع دول الجوار والفضاء الإقليمي والمجتمع الدولي لتحقيق الاستقرار والسلام والأمن العالميين وهي علاقات أعمار ، مع وصول أمير قطر إلى سدة الحكم في دول قطر حرصت قطر علي أنتهاج سياسة خارجية كان من ابرز توجهاتها تصفير المشكلات وتعزيز التعاون الدولي وتسوية النزاعات الإقليمية والدولية والداخلية والاهتمام بالدبلوماسية الوقائية التي تحفظ السلم والأمن الدوليين.
من اهم مبادئ السياسية الخارجية القطرية ما ورد في الدستور الدائم لدولة قطر يؤكد علي الثوابت والمبادئ التالية في السياسة الخارجية ، الحفاظ علي السيادة والاستقلال ، والدفاع عن هوية البلاد العربية والإسلامية ، واحترام العهود والمواثيق الدولية ، وتوطيد السلم والأمن الدوليين ، والدفاع عن الحريات العامة وحقوق الإنسان ، إذ نصت المادتان السادسة والسابعة من الدستور علي ما يلي :
- تحترم الدولة المواثيق والعهود الدولية ، وتعمل علي تنفيذ كافة الاتفاقيات والمواثيق والعهود الدولية التي تكون طرفا فيها ، المادة السادسة الدستور الدائم لدولة قطر .
- تقوم السياسة الخارجية للدولة علي مبدأ توطيد السلم والأمن الدوليين عن طريق تشجيع فض المنازعات الدولية بالطرق السلمية ودعم حق الشعوب في تقرير مصيرها ، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول ، والتعاون مع الأمم المحبة للسلام ، المادة السابعة ، الدستور الدائم لدولة قطر(18)
القيادة الجديدة في قطر ما بعد 1995م إعادة توجيه السياسة الخارجية لدور خارجي طموح أكبر من حجمها الجغرافي والسكاني ، بالاتجاه نحو الاستثمار في القوة الناعمة نظراً لافتقادها لمقومات القوة الصلبة ، ونلاحظ علي المستوى الإقليمي والعالمي صعود القوة الناعمة القطرية التي استطاعت من خلالها الدولة القطرية كفاعل مؤثر في الفضاء الإقليمي دون الإغفال للأبعاد الأمنية ، والقوة الناعمة القطرية ساهمت في أحداث الحراك الثوري في دول الربيع العربي حتي انتصرت أرادة الشعوب ، والثورات خلقت فرصة تاريخية للسياسة الخارجية القطرية لتضخيم دورها الإقليمي وتحقيق أهدافها .
تعتبر دولة قطر واحدة من أهم الدول الفاعلة علي الساحتين الإقليمية والدولية في استعمال الدبلوماسية الوقائية والوساطة والمساعي الحميدة وأداة فاعلة في تسوية المنازعات الإقليمية والدولية لاسيما خلال العقدين الأخيرين بعد تولي الشيخ تميم بن حمد مقاليد الحكم في البلاد عام 2013م – أكد النهج الدبلوماسي نفسه ، بل سعى لتعزيز هذا الدور من خلال دعم العديد من جهود مبادرات السلام في أماكن عددية من العالم وبذل كثير من المساعي الحميدة والوساطة لتسوية مجموعة من المنازعات والأزمات الدولية ومن ثم أصبحت الوساطة ركنا من أركان السياسة الخارجية لقطر ، وهكذا ، رسخت قطر مكانتها بوصفها دولة صانعة للسلام في العالم ، عبر استراتيجيات التحالفات والشراكات الإقليمية والدولية والدبلوماسية الوقائية مستفيدة من قوتها الناعمة التي أكسبتها القوة علي الصعيد الإقليمي ، وكونت صورة ذهنية وعلامة مميزة في هذا المجال(19) .
مع دخول قطر مجلس الأمن عضو غير دائم في الفترة 2006 – 2007ن أصبح دور الوساطة القطرية أكثر نشاطاً وحيوية ، فتنوعت بين التدخل في تسوية أزمات داخلية في لبنان ، وأزمات وحروب أهلية في السودان ، ومنازعات حدودية في جيبوتي وأرتريا ، وحروب أهلية ذات طابع دولي كالحرب الدائرة في أفغانستان ، فقد خلقت هذه الجهود وعمليات الوساطة التي عكفت عليها الدوحة صورة إقليمية ودولية لقطر بوصفها وسيطاً معتبراً وموثوقاً به في تحقيق السلم والأمن الإقليميين والدوليين ، علي الرغم من كونها واحدة من أصغر دول الشرق الأوسط من حيث المساحة الجغرافية ، والتعداد السكاني ، ولها دور مشهود في مبادرات تسوية النزاعات الإقليمية .
أبرز مبادرات قطر لتسوية النزاعات الإفريقية:
الدول الإفريقية شهدت اضطرابات مجتمعية ممتدة وحروب أهلية مشتعلة وتوترات داخلية عنيدة علي السيطرة مما يؤثر على الاستقرار السياسي في الدول الإفريقية ، وتعتبر النزاعات والصراعات احد التحديات الأمنية التي تواجه القارة الإفريقية وضرورة التغلب علي النزاعات في إفريقيا لبناء تجمع إقليمي قابل للتطور معتمدا علي التوافقات العقلانية والأبعاد الاستراتيجية والحقائق الجغرافية لبناء المؤسسات القادرة والناظمة لكيان أفريقي جديد يعبر عن الشعوب الإفريقية ، وتسوية النزاعات الإفريقية ضرورة أملتها الاعتبارات الإقليمية والدولية لبناء منظومة أفريقية للتكامل الاقتصادي وهو يعبر عن أتجاه تاريخي وامتداد جغرافي تدفع إليه قوى موضوعية .
لقد أتسمت السياسة الإفريقية وابتليت بالنزاعات المسلحة من صنوف عديدة ودرجات متفاوتة وهويات مختلفة ومن أطراف محليين وإقليمين وعالميين . وعثرت بعض منها علي تسويات لها ، بيد أن أغلبيتها كامنة ويتعذر رصدها ومراقبتها والسيطرة عليها وإدارتها بل حتي فضها بطريقة عملية وختامية تؤمن نزع جذورها وتنقية أجوائها وأزالتها من الذاكرة السياسية للأنظمة أو من الوعي المحلي للأفراد وللجماعات والأعراف والقوميات والطوائف والأديان(20) .
من أبرز مبادرات قطر لتسوية النزاعات الإفريقية نأخذ مثاليين النزاع الجيبوتي الإريتري الذي حدث نتيجة لصراع حدودي حول جزيرة دميرة ومنطقة الصراع لها أهمية استراتيجية في حركة النقل البحري وتعاظم دورها لأطلالها علي البحر الأحمر .
والنموذج الثاني اتفاقية سلام دارفور بين المكونات السودانية الداخلية.
دور الوساطة القطرية في تسوية النزاع الجيبوتي الاريتري :
النزاع الجيبوتي الإرتيري حول رأس وجزيرة دوميرة ، يعتبر أبرز قضايا النزاع في القرن الإفريقي ، وهو نزاع حدودي ما بين أريتريا وجيبوتي حول منطقة رأس وجزيرة دوميرة الحدودية ، ولها موقع استراتيجي مطل علي مضيق باب المندب المائي ويعتبر أهم المضايق على البحر الأحمر ، وصراعات الحدود في أفريقيا نتيجة لأن الاستعمار عند تم ترسيم الحدود الإفريقية لم يهتم بالتوزيع السكاني العادل ولم يراعي الأبعاد الثقافية والعرقية والأثنية للمجموعات السكانية بل تم الترسيم بالمسطرة الجغرافية دون الاهتمام بالمكونات الثقافية والاجتماعية للمجموعات القبلية مثلا نجد القبيلة موزعة بين دولتين .
برزت مشكلة الحدود بعد استقلال أريتريا وقد حدث ذلك في أطار سعي أرتيريا إلى تثبيت حدودها مع الدول المجاورة ، عقب اندلاع مشكلة جزر حنيش بين أريتريا واليمن ، أفادت معلومات جيبوتي في 17 أبريل 1996م بوقوع اشتباكات بين القوات الإريترية والجيبوتية على امتداد منطقة رأس دميرة الاستراتيجية علي حدود البلدين ، وقد إشارات بعض المصادر الجيبوتية إلى أن وحدات من الجيش الإرتيري توغلت إلى ما يقدر بـ 18 كلم داخل الأراضي الجيبوتية .
وقد راقبت طائرات فرنسية مقاتلة كانت في القاعدة الفرنسية في جيبوتي الحشود العسكرية الإرتيرية ، علي أساس أن جيبوتي وفرنسا مرتبطان باتفاق دفاع مشترك وكانت الحكومة الجيبوتية قد تقدمت بشكوي إلى منظمة الوحدة الإفريقية قبل أيام من بدء التهديدات الإريترية على حدودها الشمالية ، وقد أستندت جيبوتي علي المبدأ الذي أقرته منظمة الوحدة الإفريقية 1963م باحترام الحدود الموروثة عن الاستعمار في أثناء ذلك أصدرت حكومة جيبوتي والقوات الفرنسية الموجودة في جيبوتي بياناً مشترك تطلبان فيه من الحكومة الإرتيرية الخروج بقواتها من الأراضي الجيبوتية خلال 72 ساعة وإلا واجهت الحرب وفعلاً خرجت القوات الإرتيرية قبل أن تتم هذه المهلة(21) .
تجدد النزاع الحدودي بين جيبوتي وأرتيريا وذلك بعد سحب قوات حفظ لسلام القطرية في 12 ، 13 يونيو ، وتنازع البلدان السيادة علي جبل وجزيرة دميرة ونجحت قطر في أبرام أتفاقية سلام بالدوحة في مارس 2011م بين حكومتي البلدين لتسوية النزاع الحدودي .
وتجدد النزاع لأن القوات الإرتيرية سيطرت علي المنطقة فور مغادرة قوات حفظ السلام القطرية ، أكد مصدر مسؤول بوزارة الخارجية القطرية أن دولة قطر أبلغت الحكومة الجيبوتية بانسحاب كامل لقواتها العسكرية المنتشرة علي جانب الحدود من أراضي جيبوتي وقال المصدر لوكالة الأنباء القطرية ( قنا) أن دولة قطر كانت ولا تزال وسيطا دبلوماسيا نزيها في حل الأزمات والخلافات بين الدول الشقيقة والصديقة وستستمر كلاعب رئيسي في المجتمع الدولي .
كانت قطر قد توسطت لحل النزاع الإرتيري- الجيبوتي وبعد سلسلة من الجولات الدبلوماسية التي وصفت بالمكوكية التي استغرقت عدة أشهر بقيادة الدوحة تم أبرام أتفاق سلام بين حكومتي جيبوتي وأرتيريا لتسوية النزاع الحدودي القائم بينهما بالدوحة في مارس 2011م ونتيجة لهذا الاتفاق قامت قطر بنشر مئات من جنودها علي الحدود بين البلدين وهي الاتفاقية التي لقيت ترحيبا إقليميا ودوليا واسعا ، وأشاد بالدور القطري المهم في تعزيز السلم والأمن الدوليين(22).
لقد جاء توقيع فخامة الرئيس أسياس أفروقي رئيس لدولة أرتيريا وفخامة الرئيس أسماعيل عمر جيلة رئيس جمهورية جيبوتي علي اتفاقية التسوية لهذا الخلاف الحدودي بينهما ليضيف أنجازاً قطريا عظيما لسلسلة مهمة من الاتفاقيات ومبادرات الحوار التي أنجزت برعاية قطر لتسوية النزاعات في المنطقة .
وتضمنت اتفاقية أفورقي وجيلة أن يعهدا ببذل جهود الوساطة لإيجاد حل للخلاف الحدودي بينهما إلى دولة قطر ، حيث فوض حضرة صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير البلاد المفدى الذي وقع الاتفاقية أيضاً بصفة أن دولة قطر وسيط وشاهد بالصلاحيات الكاملة لإصدار وثيقة عمل تنفيذية للاتفاقية التي تمت في الدوحة وتبادلها وزيري خارجية البلدين(23).
الوساطة القطرية تسوية أزمة دارفور :
تمثل أزمة دارفور واحدة من أظهر المشكلات الدولية المعاصرة وأكثرها تعقيداً وأبرزها دلالة ، أن الأزمة الدارفورية خلقت لتبقي كلما تبدأ أقرب إلى ملامح التسوية السياسية تدخلت عوامل شتى لتستمر الحرب ، بأن جذور أزمة دارفور تضرب بعيداً في أعماق مجتمع يتميز بالتعدد العرقي والاثني والتنوع الثقافي ، أزمة دارفور أدخلت السودان في أتون الحرب الأهلية لسنوات طويلة أزهقت فيها الأرواح وسالت فيها الدماء وتوقفت التنمية في دارفور وتأثرت الثروة لحيوانية بأزير الطائرات وصوت المدافع والبندقية ، لقد جاءت أزمة دارفور لتشكل أختباراً جديداً وقاسيا لوحدة الدولة السودانية ولكن ستظل دارفور جزء من السودان عصية علي الانفصال مهما راهن الغرب علي تفتيت وحدة السودان ، وصياغة مؤامرة لتقسيم السودان عبر دارفور .
أما الدلالة بالغة الأهمية للمشكلة الدارفورية فترتد إلى ذلك الاهتمام الدولي البائن الواسع النطاق بها وتداعياتها برغم كونها في الأساس مسألة داخلية كان ينظر إليها تقليدا على أنها ليست محلا لتدخل الآخرين ، وبالتالي فإن التدخل الدولي واسع النطاق في مشكلة دارفور ابرز التراجع الكبير لمبدأ “عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول” ، وأكد صدق المقولة التي شاعت في ظل عالم ما بعد الحرب الباردة والتي قوامها أن الصراعات العرقية قد أذابت إلى حد كبير ذلك الفارق التقليدي بين ما هو شأن داخلي لا يجوز للآخرين التدخل فيه ، وما هو شأن دولي يحق لجماعة الدول أن تتعامل معه وتتدخل فيه بدعوى أنه يمثل تهديداً للسلم والأمن الدوليين(24).
خلفت الحرب في الإقليم واقعاً إنسانيا معقداً وتسبب في قتل وتشريد الآلاف من المواطنين، ، أزمة دافور تمثل اختبارا لعلاقات السودان الخارجية وشعارات التضامن العربي والإفريقي إذا تعددت المبادرات من الفضاء العربي الإفريقي بحثا عن حل وتسوية النزاع الدافوري .
غير أن المبادرة القطرية كانت أكثر الأساليب فعالية وأصطباراً عن التفاوض الصعب ، فقد استضافت الدوحة المتحاربين أكثر من عامين إلى أن تكللت جهودها بالاتفاقية المسماة وثيقة الدوحة للسلام وكان نتاج حوار شارك فيه مئات من أهل المصلحة .
لم تقف جهود قطر عند إعلان الاتفاقية بل أحالتها إلى مشروع نهضوي كبير يعيد إلى دارفور سابق الاستقرار والتنمية ، وتزيل ما خلقت الحرب من مأسي الهجرة والتشرد .
ولقد اشتملت الاتفاقية على تأسيس مصرف لتنمية دارفور برأسمال قدره مليار دولار التزمت قطر به إلى جانب أنشائها وأطراف الاتفاقية مكتبا لمتابعة تنفيذ بنود الاتفاقية .
وأستمر الجهد القطري لتوسيع الاهتمام الإقليمي والأممي بالاتفاقية فتكلل ذلك باحتضان الدوحة عام 2013م مؤتمر لتنمية دارفور وأعمارها ، قررت دعماً تنموياً للإقليم بلغ ثلاثة مليارات ، ساهمت فيه قطر بالنصيب الأعظم منه .
ليس اتفاقية الدوحة جهداً سياسا فقد ساقته الدوحة إلى نهايات أسعدت الملايين من أهل دارفور الذين يعدونها بصمة ناصعة في تاريخ الإنسانية ، بل يتسع بها مجال فاعلية الدوحة أيضا إلى أعماق بعيدة ونبيلة في عالمنا العربي(25) .
سيكتب التاريخ أن أتفاق الدوحة أهم أتفاق تم توقيعه لإنهاء دوامة الحرب في دافور ، برعاية دولة قطر الشقيقة ، هناك 77 مبادرة لتحقيق السلام منذ اندلاع الحرب في دارفور كلها باءت بالفشل منذ التوقيع علي الوثيقة وبدايات التنفيذ اتجهت جهات عدة لاغتيال أتفاق الدوحة في مهده وتشييعه إلى المقابر الجماعية للاتفاقيات ، وأسلحة الحركات الرافضة لعملية السلام استهدفت مشاريع الأعمار والتنمية في دارفور تعاملت معها كأهداف عسكرية.
قطر وحدها كانت علي الوعد والالتزام أعطت بغير حدود وبلا منّ أو أذى ، أو أجندة خفية ترجى منها تحقيق مصالح في نهاية المسار ولولا حكمة الوسيط القطري أحمد بن عبد الله آل محمود وصبره لما وصلت اتفاقية الدوحة إلى ما وصلت إليه من نجاح وإنجاز علي أرض الواقع ، لا تخطئه عين ولا يتجاوزه منصف عدل(26)
هناك علي أرض الواقع أهتمت قطر بالنازحين واللاجئين أنشأت قرى في دارفور هي القرى القطرية وأصبحت جاذبة لكل من شردته الحرب وجارت عليه الأيام من أهل دارفور ، وهي مثال لنموذج من تقديم الخدمات للمواطنين بلغت عشرة قرى . إن اتفاقية الدوحة لسلام دارفور تعد المرجعية الأساسية للعملية السلمية في دارفور وأن منبر الدوحة هو المنبر الوحيد للتفاوض بشأن أزمة دارفور .
الخاتمة:
السياسة الخارجية القطرية في ظل المتغيرات الدولية الكونية المترابطة والمتشابكة التأثير هي سياسة لها القدرة على التكيف المرن في مواجهة الضغوط والتحديات التي تفرزها ظروف الواقع الإقليمي أو الدولي الذي تتعامل معه ، انتهجت سياسة خارجية نشطة في جملة من المستويات ، ومنها تبني قطر قضية الأمن والسلام كمحور أساسي ومهم يعبر عن ملامح وجهة السياسة الخارجية القطرية أيماناً منها بأن هذه رسالة إنسانية لابد من الوقوف مع تحديات العالم المعاصر وفض المنازعات بالطرق السلمية .
اعتمدت قطر في دبلوماسيتها علي تبنى مواقف الالتزام تجاه قضايا السلام والأمن الدوليين بإتباع سياسة راشدة ضمانا لحركة الدبلوماسية الوقائية دون التقيد بمواقف الدول الكبرى ، كما تبنت أتجاها آخر ، وهو الاهتمام بالجانب الإفريقي ، ودعمت الدول الإفريقية قدر إمكانياتها علي مستوى التنمية والسلام ، أهتمت بتسوية المنازعات في الدول الإفريقية نجد ذلك واضحاً في وثيقة الدوحة لسلام دارفور بالسودان ، واتفاقية السلام في النزاع الجيبوتي الاريتري .
وقدمت ابرز المبادرات لتسوية المنازعات ووجدت قبول من الطراف المتصارعة واستقرت الأوضاع في منطقة القرن الإفريقي ونالت ثقة الطرفين الجيبوتي والأريتري بدون أي انحياز لأي طرف بل يقصد بنشر السلام ووقف الحرب بين جيبوتي وأريتريا ، واستطاعت تحقيق السلام في دارفور عبر وثيقة سلام الدوحة وأسست البنيات التحتية في دارفور وأنشأت القرى وتقديم الخدمات في إقليم دارفور السوداني المتأثر بالحرب والاحتراب وتعتبر هذه النماذج لدبلوماسية الوقائية التي انتهجتها قطر في بناء السلام في القارة الإفريقية .
المراجع :
1- روبرت د. كانتور : السياسة الدولية المعاصرة ، ترجمة د. أحمد ظاهر ، الناشر ، مركز الكتب الأردني ، 1989م ، ص 78 .
2- مطلق بن ماجد القحطاني ، دانة بنت منصور ال ثاني ، سياسة دولة قطر وتجربتها في الوساطة وتسوية المنازعات ، سياسات عربية Siyasat Arabiya ، ص 14.
3- الدستور الدائم لدولة قطر 2004/6/8 الجريدة الرسمية العدد 6 الدخول 2/4/2022 https:16rookgil36819GR
4- مصطفي عبدالله خشيم ، مناهج وأساليب البحث العلمي ، الهيئة القومية للبحث العلمي ، طرابلس ليبا ، ط1 ، 1991م ، ص 47 .
5- عادل محمد الرطب ، دور إدارة لصراع في تطوير الأداء التنظيمي ، رسالة ماجستير غير منشورة ، جامعة طرابلس ، 2015م ، ص 16
6- Clen chatetz, Hilled Abram son and Suzette Crillote, Culture .
7- K.J.olsti: National role conception in the study of foreign policy” international studies Quarterly Vol. 14,No. 3sep. 1970.p.254
8- إيمان أحمد رجب ، الدور الإقليمي ، الناشر المركز الدولي للدراسات المستقبلية الاستراتيجية ، سلسلة مفاهيم العدد 45 السنة الخامسة ، يونيو 2009م ، ص 9 – 10
9- مصطفي عبد الله خشيم ، موسوعة علم العلاقات الدولية ، مفاهيم مختارة ، الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان ، الطبعة الثانية ، الفاتح 1372 ، 2004م ، ص ص 221 – 222.
10- عبد الواحد الناصر ، العلاقات الدولية والمتغيرات الجديدة ، الناشر دار ا حطين الرباط ، المغرب ، 1995م ، ص 39 .
11- حسن الترابي ، في الفقه السياسي ، الدار العربية للعلوم ناشرون ، بيروت ، لبنان ، ط1 ، 1431هـ – 2010م ، ص 277
12- هزكياس آسفا ، محور السلم والمصالحة ، فلسفة السلام وأثرها على النزاع والحكم وعلي النمو الاقتصادي في أفريقيا ، ترجمة محمد هارون كفي ، دار النشر بالخرطوم ، بتاريخ يوليو 2000 ، ص 12
13- أبو القاسم قور ، مقدمة في دراسات السلام والنزاعات ، الناشر مركز السودان لأبحاث المسرح ، الخرطوم ، السودان ، ط1 ، 8/8/2010م ، ص ص 52 ، 53.
14- أبو القاسم قور ، الأصول الفكرية والاستراتيجية التاريخية لثقافة السلام ، مجلة دراسات الشرق الأوسط وإفريقيا مركز الشرق الأوسط وأفريقيا ، الخرطوم ، السنة الاولى ، 1422هـ8 2002م ، ص 91 .
15- عبد النور منصوري ، المصالحة الوطنية في الجزائر بين الحل الأمني وأفق الأمن الإنساني ، الناشر ، دار التنوير الجزائر ، ط1 ، 1061 – 2013م ص ص 86 ، 87.
16- مصطفي عبد الله خشيم / موسوعة علم العلاقات الدولية ،مرجع سابق ، ص ص 319 – 320.
17- العلاقات السودانية القطرية – البعد الآخر ، جريدة الصحافة الخرطوم ، السودان ،تاريخ الدخول 2/4/2022م alsahafa.https//wwwsudaness.co
18- مبادئ السياسة الخارجية – وزارة الخارجية القطرية ، http://wwwmota.gov.ga تاريخ الدخول 9/4/2022م .
19- Sultan Barakat Qatari Mediation: Between Ambition and Achievement, Brookings, 10/11/2014 P.58 accessed on 16/8/2021 at https/brook.g./3x81ck
20- أ.د. كاظم هاشم نعمة ، أفريقيا ي السياسة الدولية ، الناشر ، أكاديمية الدراسات العليا طرابلس ، ليبيا ، ط1 ، 2005م ، ص 80
21- د. الأمين عبد الرازق أدم ، جيبوتي الأهمية الاستراتيجية والعلاقات بدول لجوار ، الناشر ، مطابع السودان للعملة المحدودة ، ط1 ، ديسمبر 2011م ، ص 120 .
22- تجدد النزاع الحدودي بين جيبوتي وأرتيريا ، لشرق 16/6/2017م arlicle,https//m.al-shrq.com تاريخ الدخول 15/4/2022م .
23- أنجاز مهم للوساطة القطرية ، جريدة الوطن ، 8/ يوليو 2010م opinion:https://wwwalbayanacom تاريخ الدخول 17/2/2022م
24- أحمد محمد وهبان ، السياسة الأمريكية تجاه مشكلة دارفور ، الناشر ، مركز دراسات الإسلام والعالم المعاصر ، سلسلة دراسات معاصرة ، السنة الرابعة العدد 12 يونيو 2011م .
25- قطر .. أياد بيضاء صنعت سلام دارفور news-https//www.aljazera.net16.6.2017
26- سلام دارفور أنجاز قطري تاريخي ، جريدة الوطن ، 15 سبتمبر 2016م writer.https://wwwmotagove.ga. – تاريخ الدخول 19/4/2022م