دساتير السودان الإنتقالية
الأستاذ نبيل أديب المحامي
ظل السودان طوال فترة إستقلاله في حالة بحث مستمرة عن دستور يحكمه، دون أن يفلح في ذلك. ويبدو ذلك من عدد الدساتير التي توالت على السودان في تلك الفترة القصيرة والبالغة في مجموعها 7 دساتير كلها مؤقتة. خمسة منها مؤقتة أو إنتقالية حسبما أراده لها واضعوها، وإثنان مؤقتتان حسبما أكدته قدرتهما الفعلية على البقاء، وهي فترة لم تتجاوز إثنا عشر عاما بالنسبة للأول (دستور 1973) وسبعة أعوام بالنسبة للثاني ( دستور1998).
وهذا الوضع يكشف عن فشل المجتمع السياسي السوداني على أن يؤسس لنظام دستوري يسمح بوضع القرار في يد الأغلبية بشكل يحافظ على حقوق الأقلية. ولعل المظهر الرئيسي لذلك هو المحاولات المتكررة لإخضاغ بلاد تزخر بجميع أنواع التعدد الثقافي والإثني لحكم عنصر واحد سياسي أو ثقافي أو إثني.
ولقد نتج عن ذلك الفشل أن دخلت البلاد في العديد من الأزمات، والإضطرابات لعل أبعدها أثرا انفصال الجنوب في يوليو 2011، وما صاحبه وتلاه من انتشار الحروب الأهلية في أقاليم دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان، ومن ثم الفشل في تأسيس فترة إنتقالية عقب ثورة ديسمبر قادرة على تأسيس دستور ديمقراطي دائم.
تحاول هذه الورقة أن تعرض الدساتير الإنتقالية التي توالت على السودان دون أن تفلح في التوصل لدستور دائم، في محاولة لتيسير قراءة الأسباب التي أدت لذلك.
الفترة الإنتقالية الأولى:
تأسست الفترة الإنتقالية الأولى على إتفاقية السودان لعام 1953 وهي الإتفاقية المعروفة بإتفاقية تقرير مصير السودان. وهي اتفاقية الحكم الذاتي، وتقرير المصير للسودان، والتي أبرمتها شريكتا الحكم الثنائي، وهما الحكومتان المصرية والبريطانية. وقد تم توقيع تلك الإتفاقية في 12 فبراير 1953، ووقعها عن الحكومة المصرية، اللواء محمد نجيب والذي كان يتقلد منصبي رئيس مجلسي قيادة الثورة والوزراء، عقب إنقلاب يوليو 52. وعن الحكومة البريطانية، السير رالف ستيفنسون سفير بريطانيا في القاهرة. ولقد صدر قانون الحكم الذاتي السوداني في 21 مارس 1953 لتحويل نصوص الإتفاقية إلى تشريع وطني سوداني.
أساس الإتفاقية ومن بعدها القانون هو منح الشعب السوداني حق ممارسة تقرير المصير في جو حر محايد في نهاية فترة إنتقالية مدتها ثلاث سنوات، يتم خلالها تصفية الإدارة الثنائية ، بحيث يتوفر للسودانيين فيها الحكم الذاتي الكامل، حتى يتم لهم تقرير المصير في حرية تامة.
و قد تضمنت الإتفاقية، ومن بعدها قانون الحكم الذاتي، لذلك الغرض أحكاما أهمها أن يكون الحاكم العام، إبان فترة الانتقال، السلطة الدستورية العليا داخل السودان، ويمارس سلطاته وفقاً لقانون الحكم الذاتي بمعاونة لجنة خماسية تسمى لجنة الحاكم العام، وفق السلطات التي تضمنها الملحق الأوّل للإتفاقية
يتم تشكيل لجنة الحاكم العام من خمسة أعضاء اثنين من السودانيين ترشحهما الحكومتان المتعاقدتان بالاتفاق بينهما، ويتم تعيينهما بموافقة البرلمان السوداني عند انتخابه، فإذا لم يوافق على أيا منهما تكون له سلطة تعيين مرشح غيره. بالإضافة للعضوين السودانيين يعين الحاكم العام ثلاثة أعضاء: عضو مصري وعضو من المملكة المتحدة وعضو باكستاني ترشح كلا منهم حكومته.
كذلك نصت الإتفاقية على تعيين لجنة للسودنة تتألف من :
(أ) عضو مصري وعضو من المملكة المتحدة يعينهما الحاكم العام بناء على ترشيح حكومة كلاًّ منهما، وثلاثة أعضاء سودانيين يختارهم الحاكم العام من قائمة تتضمن خمسة أسماء يقدمها إليه رئيس وزراء السودان، ويكون اختيار هؤلاء الأعضاء السودانيين وتعيينهم بموافقة سابقة من لجنة الحاكم العام.
(ب) عضو أو أكثر من لجنة الخدمة العامة السودانية للعمل بصفة استشارية بحتة ولا يكون لهم/له حق التصويت
في نهاية الفترة الإنتقالية يصدر البرلمان السوداني قرارًا يعرب فيه عن رغبته في اتخاذ التدابير للشروع في تقريرالمصير
و يتم تقرير المصير بشكل حرّ محايد، يخضع لرقابة دولية، وتقبل الحكومتان المتعاقدتان توصيات أية هيئة دولية تشكل لهذا الغرض
تنسحب القوّات العسكرية المصرية والبريطانية من السودان فور صدور قرار البرلمان السوداني برغبته في الشروع في اتخاذ التدابير لتقرير المصير، وتتعهد الحكومتان المتعاقدتان بإتمام سحب قواتهما من السودان في مدى فترة لا تتعدّى ثلاثة شهور.
ويتقرر مصير السودان
(أ) إما بأن تختار الجمعية التأسيسية ارتباط السودان بمصر على أية صورة.
(ب) وإما بأن تختار الجمعية التأسيسية الاستقلال التام.
كما هو معلوم فلقد إختار البرلمان السوداني الإستقلال.
ولعله من المناسب أن نقول أن هذه الفترة هي الفترة الإنتقالية التي أسست لفشل الفترات القادمة بما كشفت عنه من عجز القيادة السياسية في إدارة التنوع. وذلك يبدو من واقع أن قسماُ أساسياً من السودانيين لم يكونوا راضين عن دستور 56 الذي تبنته النخبة السياسية آنذاك وتبدو المفارقة التاريخية في تعاصر إجازة تقرير لجنة السودنة في البرلمان أغسطس 55 مع نشوب الحرب الأهلية الأولى والتي بدأت بالتمرد في توريت.
الفترة الإنتقالية الثانية
في1/1/1956 تم إعلان إستقلال السودان لتنتهي بذلك الفترة الإنتقالية الأولى في تاريخ السودان. وهي فترة ستعود وتطل برأسها عددا من المرات آخرها الفترة الإنتقالية الحالية، والتي إنقطعت بالحرب التي نشبت في 15 أبريل 2023 .
إذاً فكما أسلفنا كان إستقلال السودان في 1/1/56 إنهاءً للفترة الإنتقالية الأولى وإيذانا ببدء الفترة الإنتقالية الثانية التي بدأت بدستور 1956 المؤقت والذي أُسست أحكامه على أحكام قانون الحكم الذاتي فتم تبني هياكل السلطة التي كانت في ذلك القانون من مجلس وزراء وبرلمان، وإنتقلت السلطات السيادية للحاكم العام إلى مجلس السيادة الذي إحتفظ بنفس عددية مجلس الحاكم العام في قانون الحكم الذاتي.
وفقا لدستور 1956 المؤقت فلقد كان المفترض أن يتم تبني دستور دائم ووفقا لذلك وفي
تاريخ 28/2/1956 أصدر مجلس الوزراء المنتخب قراراً بتكوين لجنة وزارية لتقديم توصيات عملية “لوضع دستور مستديم للجمهورية السودانية وقانون الانتخابات وتقسيم الدوائر الانتخابية”. أوصت اللجنة المذكورة بتشكيل لجنة قومية لوضع “مسودة الدستور” الدائم، كما أوصت بقيام جمعية تأسيسية لإقرار الدستور الدائم. وبالفعل تكونت اللجنة القومية من (46) عضواً واستمر عملها لمدة طويلة، حيث رفعت توصياتها في ابريل 1958. ولكن لم تتم إجازة هذه التوصيات وظل العمل بموجب أحكام دستور 1956 حتى إنقلاب نوفمبر 1958.
لم تنشغل اللجنة الوزارية بوضع مسودة لدستور دائم، رغم أهمية ذلك لأن نظام الحكم في دستور 1956 ــ الذي تم تبنيه لدى إعلان الإستقلال كدستور مؤقت ــ كان نظام حكم مركزي. ولم يكن ذلك مقبولا للقيادات السياسية الجنوبية والتي ظلت تطالب بعلاقة فيدرالية بين شطري البلاد منذ مؤتمر جوبا عام 1947ــ وهو المؤتمر الذي دعت له الإدارة البريطانية قيادات الرأي في الشمال والجنوب بغرض تكوين سودان واحد يضم الشطرين ــ والذي قرر أن الجنوب والشمال سيشكلان دولة واحدة وأن الجمعية التشريعية ستمثل المستعمرة بأكملها. وقد برز مطلب الفيدرالية بوضوحٍ خلال عدّةِ مؤتمراتٍ واجتماعاتٍ لاحقة، شملت لجنة الدستور عام 1951، وبعدها مؤتمر الحزب الليبرالي الجنوبي عام 1954
وبالتالي فعند التصويت على الإستقلال في البرلمان لم يكن الحكم المركزي في دستور 56 الذي سيتم تبنيه مسألة مقبولة لدى الأعضاء الجنوبيين في البرلمان، وهو الأمر الذي وضح في قرار مجلس النواب في 19 ديسمبر عام 1955، حيث شمل القرار وعد المجلس للنواب الجنوبيين بشأن النظام الفيدرالي ونصه : “أن مطالب الجنوبيين لحكومة فيدرالية للمديريات الجنوبية الثلاث ستُعطى الاعتبار الكافي بواسطة الجمعية التأسيسية.”
إلّا أن لجنة الدستور قررت في شهر يونيو عام 1958 “بأن اللجنة أعطت مقترح الفيدرالية الاعتبار الكافي وخلصت إلى أنه لن يكون مُجْدياً للسودان”.
واقع الأمر هو أن النخبة السياسية الشمالية والتي إنفردت بشكل كامل بالسلطة السياسية في البلاد كانت منشغلة بالصراع على تلك السلطة فيما بينها، ولم تكن تولي مطالب القيادة الجنوبية، التي لم يكن لها تأثير يذكر على ذلك الصراع، أي اهتمام. ولهذا فلقد كان هم رئيس الوزراء آنذاك،(عبد الله خليل) ألا يتم إسقاط حكومته لصالح الإئتلاف الإتحادي. ومن ثم فلقد دفع رئيس الوزراء آنذاك، الفريق عبود للإستيلاء على السلطة، منعا لطرح الثقة في حكومته في البرلمان الذي لم يعد يتمتع الإئتلاف المؤيد له فيه بالأغلبية
فترة نظام نوفمبر 58
على إثر انقلاب نوفمبر 1958، حكمت حكومة الفريق عبود البلاد بواسطة المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي منح نفسه بقوة الإنقلاب، سلطة تأسيسية أجاز لنفسه بموجبها إصدار أوامر دستورية .
جمع الأمر الدستوري الأول السلطات الثلاث في يد المجلس الأعلى للقوات المسلحة والذي خول تلك السلطات لرئيسه.
وقضى الأمر الدستوري الثالث بتعطيل الدستور، وحل البرلمان، وجميع الأحزاب السياسية وأبطل قيام أي حزب جديد.
وبهذا تم التأسيس لنظام إستبدادي مطلق، بديلا عن النظام الديمقراطي التعددي البرلماني الذي كان سائداً بموجب دستور 56 . ولكن النظام ما لبث أن حاول تخفيف وطأته دون أن يفقد صفته الإستبدادية، وذلك عن طريق تشكيله للجنة قومية في عام 1961م اشتهرت باسم لجنة أبو رنات نسبة لرئيسها، رئيس القضاء آنذاك, وقامت اللجنة بوضع مشروع لإقامة سلطة تشريعية عن طريق الحكم المحلي، حيث يتم إنتخاب عدد محدود من عضوية المجالس المحلية، ثم يتم ترفيع عدد محدود من أعضاء المجالس المحلية لعضوية المجلس المركزي، والذي تكمل أغلبية عضويته بالتعيين. ولقد منح القانون المجلس المركزي سلطة تشريعية محدودة. ولقد قاطعت أغلبية الشعب الإنتخابات ولم يشارك فيها من الأحزاب السياسية سوى الحزب الشيوعي، والذي هدف من مشاركته مقاومة السلطة من الداخل دون أن يحقق نجاح يذكر. وبالتالي فلم يتم تكوين مجلس تشريعي ذا تأثير وظلت السلطات التشريعية في يد المجلس الأعلى للقوات المسلحة حتى سقوط النظام كله على يد ثوار أكتوبر 64.
الفترة الإنتقالية الثالثة
وفي أعقاب نجاح ثورة 21أكتوبر تم تبني الميثاق الوطني لسنة 1964 الذي أحدث تعديلا بسيطا على الدستور المؤقت لسنة 1956، ومن ثم فقد صدر دستور السودان المؤقت المعدل لسنة 1964 والذي حكم البلاد أثناء الفترة الانتقالية الثالثة التي إمتدت عقب ثورة اكتوبر وحتى مايو 69
ولقد شملت الفترة الإنتقالية الثالثة فترتين الفترة الأولى هي الفترة السابقة لإنتخابات الجمعية التأسيسية عام 65 والفترة الثانية وهي الفترة التي أعقبت تلك الإنتخابات ولقد تمت في تلك الفترة الأخيرة محاولات عديدة، لم يكتب لها النجاح، للوصول لدستور دائم.
الفترة التي سبقت إنتخابات 65 إقتصرت على الصراع بين شطري حكومة سر الختم الخليفة الأولى: وهما جبهة الهيئات ، وهي الجبهة التي قادت ثورة أكتوبر والمكونة من نقابتي العمال والمزارعين والإتحادات المهنية من جهة، وجبهة الأحزاب، والمكونة من الحزبين التقليديين الأمة والإتحاديين والأخوان المسلمين من جهة أخرى. كانت أغلبية الحكومة من جبهة الهيئات مع تمثيل الأحزاب بوزير واحد عن كل حزب. وقع إنقسام داخل الحكومة بين التجمع النقابي المسمى بجبهة الهيئات والتي تبنت خطاً ثورياُ يدعو لتطهير الجهاز الحكومي من الرجعيين وبين تجمع الأحزاب الذي كان يعارض تلك السياسة ويطالب بحصة أكبر في مجلس الوزراء. وكان رئيس الوزراء متخذا جانب جبهة الهيئات، ولكن في اليوم الرابع من فبراير 1965 امتلأت العاصمة بآلاف من الأنصار من أعضاء حزب الأمة الذين وفدوا من الأقاليم وهددوا الحكومة وطالبوا باستقالتها. وطافت الحشود شوارع الخرطوم مطالبة بإنقاذ البلاد من سيطرة جبهة الهيئات والشيوعيين.
في 18 فبراير 65 قدم رئيس الوزراء إستقالته إستجابة لتلك الحشود التي ملأت العاصمة مسببا إستقالته بالشقاق بين الأطراف التي وقعت على ميثاق الثورة، والذي أفسد الجو السياسي، مما دفعه لأن يستقيل “حرصاً على مصلحة البلاد وسلامتها وعلى تجنيب أبنائها الشقاق والخلاف الحاد” وقبل مجلس السيادة الاستقالة وكلفه بالبقاء رئيساً للوزراء وتشكيل حكومة جديدة. تمّ تشكيل حكومة جديدة في 24 فبراير 1965م، كان نصيب كل من حزب الأمة والوطني الاتحادي وحزب الشعب الديمقراطي وكتلة الجنوبيين بثلاثة وزراء وتمثيل كل من الحزب الشيوعي والإخوان المسلمين بوزير واحد ، بالتالي اصبح للأحزاب التقليدية الأغلبية فيها. ومن ثم إستجابت الحكومة لمطلب الأحزاب بإجراء انتخابات مبكرة وتم عقدها في يونيو 1965م
الفترة التي تلت إنتخابات 65
اتسمت الفترة التي أعقبت إنتخابات 65 بعدم الاستقرار. وقد قامت الحكومة بتشكيل العديد من اللجان الفنية الدستورية، بحثاً عن التوصل لإصدار دستور دائم، دون أن تفلح في ذلك وكان آخرها اللجنة القومية للدستور التي قدمت توصياتها للجمعية التأسيسية في عام 1968. وقد شهدت هذه الفترة صراعات وانقسامات حادة بين الأحزاب والقوى السياسية المختلفة حول الدستور، فظهرت إلى السطح مطالب الحكم الذاتي الإقليمي في لجنة الاثني عشر الخاصة بالوضع الدستوري والإداري، وهو الأمر الذي رفضه مؤتمر الأحزاب حول نظام الحكم، والذي ظهر فيه مشروع الدستور الإسلامي لأول مرة.
التعديلات الدستورية على دستور56
وفي أعقاب نجاح ثورة 21 أكتوبر تم تبني الميثاق الوطني لسنة 1964 الذي أحدث تعديلات بسيطة على الدستور المؤقت لسنة 1956، ليصبح دستور السودان المؤقت المعدل لسنة
1964
أهم تلك التعديلات هي المادة 109 والتي منحت حصانة لأعضاء حكومة نوفمبر عن ما قاموا به من أعمال تأدية لواجباتهم ونصها:
-أ ي حكم أو أمر أو فعل صدر من أ ي شخص أو هيئة في الفترة من 17 نوفمبر سنة 1958م إلى صدور هذا الدستور لا يجوز الطعن فيه أو اتخاذ أية إجراءات قانونية بصدده أو على أساسه أمام أية محكمة جنائية أو مدنية أو إدارية ما دام قد صدر ذلك الحكم أو الأمر أو الفعل من ذلك الشخص أو تلك الهيئة أثناء تأدية الواجب أو بغرض حماية القانون والنظام أو حفظ الأمن وفقاً لأي تكليف من القوات المسلحة السودانية على أية صورة عسكرية كانت أم مدنية.
حكم دستور 56 المعدل 64 الفترة الإنتقالية الثالثة التي إمتدت منذ نجاح ثورة اكتوبر 64 وحتى مايو 69
ولم يكن دستور 64 قادراً على مواجهة المشكلة الرئيسية التي أسقطت نظام عبود وهي ما عُرِف في الأدب السياسي السوداني بمشكلة الجنوب والتي تقوم على ركيزتين أساسيتين وهما الحكم الذاتي للمناطق المهمشة ومسألة الدين والدولة ولكن النخبة الشمالية إنشغلت في الفترة التي تلت الإنتخابات بالصراع على السلطة فيما بينها، فرفض مؤتمر الأحزاب الحكم الذاتي الإقليمي وتبنى طرح الدستور الإسلامي، وإنشغلت الأحزاب التقليدية بالإنقسامات داخلها، وأبرزها الإنقسام داخل حزب الأمة الذي كان الحزب الأكثر عضوية في الجمعية التأسيسية، والذي شغل الساحة السياسية بجناحيه اللذان تبادلا الإئتلاف مع الإتحاديين في الحكومتين اللتين تقلدتا مقاليد الأمور في تلك الفترة فتولي محمد أحمد المحجوب عن حزب الأمة منصب رئاسة الوزارة في مقابل تولي الإتحاديين لرئاسة مجلس السيادة.
عند إختيار المحجوب لرئاسة الوزارة لم يكن السيد الصادق المهدي عضوا في البرلمان لكونه أصغر من السن القانونية المطلوبة لتلك العضوية. وعندما بلغ السيد الصادق المهدي السن القانونية في ديسمبر 65 تم إخلاء دائرة برلمانية له بإستقالة أحد نواب حزب الأمة ليفوز بالدائرة في الإنتخابات التكميلية. رأت مجموعة من عضوية الحزب أنه أجدر من المحجوب برئاسة الحكومة وعندما لم يوافق على ذلك رئيس حزب الأمة وإمام الأنصار السيد الهادي المهدي قادت تلك المجموعة إنقساما وشكلت ما عُرف بإسم حزب الأمة – جناح الصادق.
لم تفلح الجمعية التأسيسية التي تم إنتخابها عام 65 ولا التي تم إنتخابها في 68 في وضع مسودة للدستور الدائم ولكنها أدخلت بعض التعديلات على دستور 64 وأول هذه التعديلات كان يقصد بها إقتسام السلطة الإئتلافية، وهو التعديل الذي ألغى الرئاسة الدورية لمجلس السيادة وجعل رئاسة مجلس السيادة منصبا ثابتا يتم إنتخاب من يتولاه بواسطة الجمعية التأسيسية. ولكن أهم تعديلات دستورية تم إدخالها هي تعديلات ثلاث هدف الأول لحل الحزب الشيوعي وهدف الثاني لمنح أهمية للقضاء الشرعي موازية للقضاء المدني أما الثالث فكان جزءاً من الصراع بين التحالفين الأكبر في النخبة السياسية، ولنبدأ بالأول:
النظام الديمقراطي التعددي الثاني 65 ــ 69
فى عام 1965 وعقب إنتهاء الفترة الإنتقالية التى أعقبت ثورة اكتوبر، تم إجراء إنتخابات عامة لجمعية تأسيسية لوضع دستور دائم. وقد تم إجراء الإنتخابات جزئيا لأن الحرب الأهلية فى جنوب البلاد لم يكن يسمح بإجراء إنتخابات فيها. وعليه فلقد تم تكوين حكومة إئتلافية من الحزبين الشماليين الكبيرين مثل فيها الجنوب بوزيرين هامشيين ولقد ظلت رئاسة مجلس السيادة في يد السيد إسماغيل الأزهري وتولى السيد محمد أحمد محجوب رئاسة الوزراء ومن بعده السيد الصادق المهدي عقب إنقسام حزب الأمة.
التعديلات الدستورية الثلاث في تعددية الستينات
التعديل الأول حل الحزب الشيوعي
فى صيف ذلك العام وأثناء ندوة عامة بمعهد المعلمين العالي تحدث أحد الطلاب زاعما أنه عضو بالحزب الشيوعي، وكرر حديث الإفك، وأنتهت الندوة دون أحداث شغب، رغم الإستياء العام الذى سببه حديثه. عقب ذلك بعدة أيام وفى محاولة لإستغلال الحدث لأغراض حزبية ضيقة، سيرت بعض الأحزاب مظاهرات تطالب بحل الحزب الشيوعي، أعقبتها بتقديم إقتراح بذلك للجمعية التأسيسية التى كانت تحت سيطرتها العددية. لما كانت المادة الخامسة من دستور عام 1956 المعدل فى 65 وهو الدستور الساري آنذاك تكفل حريتى التعبير والتنظيم، فقد رأى مقدمو الإقتراح ضرورة تعديل الدستور حتى لا يُطعّن فى دستورية القانون، فقُدِم إقتراح بتعديل لتلك المادة إستثنى الشيوعية من حريتى التعبير والتنظيم. أجازت الجمعية التأسيسة الإقتراح بإغلبية 143 صوتا مقابل 17 صوت، وكانت عضوية الجمعية تتكون من 192 عضواً فقط، لأن الإنتخابات لم تجر فى الدوائر المخصصة للجنوب والبالغة 43 دائرة.
قررت الجمعية التأسيسية طرد النواب الشيوعيين من عضويتها. وثار جدل حول ما إذا كان تعديل الدستور يتطلب أغلبية معينة، وما إذا كانت تلك الأغلبية قد تحققت أم لا . واقع الأمر هو أن دستور 1956 المعدل فى 1965 والذى أجريت إنتخابات الجمعية التأسيسية فى ظله، لم يكن ينص أصلاً على طريقة لتعديله، حيث أن تعديل 65 للدستور ألغى المادة التى كانت موجودة فى دستور 1956، والتى كانت تنص على أن يتم التعديل بأغلبية ثلاثة أرباع أصوات المجلسين. رغم أن الدستور المعدل، أسقط تلك المادة، إلا أنه تطلب أغلبية الثلثين بالنسبة لإجازة الدستور الدائم. لذلك فقد رؤى أن الأغلبية المتطلبة لتعديل الدستور يجب أن تكون هى نفس الأغلبية المتطلبة لإجازة الدستور. ولم تكن تلك الأغلبية متوفرة فى قرار التعديل اذا أُخِذ فى الإعتبار العدد الكلي للجمعية التأسيسية، وهو 233 وأغلبية الثلثين بالنسبة له 156 صوتا، ولكن بالنسبة للعدد الكلي الذى تم إنتخابه بالفعل من الأعضاء كانت أغلبية الثلثين تتحقق بعدد 128 صوتا.
وعليه فقد تم الطعن فى تعديل الدستور بواسطة أعضاء الجمعية التأسيسية الشيوعيين الذين تم إسقاط عضويتهم، ولقد مثلهم أمام المحكمة العليا الأساتذة عابدين إسماعيل، وعبد الوهاب بوب، وأحمد سليمان. مثل النائب العام عثمان خالد، ويوسف ميخائيل، وحسين احمد حسين. قرر القاضى صلاح حسن فى حكم شهير أدى لأزمة دستورية كبرى، بطلان ذلك التعديل، مستنداً على أن الدساتير المكتوبة هى دائماً دساتير جامدة لا يتم تعديلها بنفس الوسيلة التى تُعدّل بها القوانين العادية، وأن إسقاط طريقة تعديل الدستور من دستور 56 ، لا يمكن تفسيره بالرغبة فى أن يكون الدستور مرناً مرونة مطلقة تجيز تعديله بالأغلبية العادية، ورأى أن إلغاء حكم التعديل الوارد فى دستور 56 لابد أن يكون قد قصد منه أن يكون الدستور جامداً جموداً مطلقاً، فى الفترة التى تقوم فيها الجمعية التأسيسية بإصدار دستور دائم على الاخص فيما يتعلق بفصل الحريات العامة، وذلك حتى يتم نقاش حر يوفر فيه للجميع فرصة إبداء الرأى فى الدستور الذى يفترض أن يحكم ليس فقط من يشاركون فى النقاش بل أيضا أبناءهم وإبناء أبنائهم، لذلك فإنه من المعقول أن يكون الدستور جامداً جموداً مطلقاً فى فترة إعداد الدستور الدائم فيما يتعلق بفصل الحريات العامة، وهى فترة لا تتجاوز عامين . كما وذكر مولانا صلاح حسن على سبيل النقاش العرضى أنه لو لم ير أن الدستور فى باب الحريات لا يقبل التعديل، فإنه كان سينتصر للرأى القائل بضرورة الحصول على نسبة الثلثين من مجموع عضوية الجمعية التأسيسية لتعديل الدستور، آخذاً فى الاعتبار حكم الدساتير الأخرى وحكم الدستور الحالى فيما يتعلق بإجازة الدستور الدائم، وعليه فقد أعلن مولانا صلاح حسن التعديل الذى أجرى على الدستور تعديل باطل .
قدمت الحكومة إستئنافاً ضد القرار ولكنها رفضت تنفيذه فى بيان يكشف عن إستهانة بالسلطة القضائية، وإشترطت محكمة الإستئناف أن تسحب الحكومة ما أعلنته حول حكم المحكمة العليا حتى تنظر فى إستئنافها، وبقى كل على موقفه مما أدى لأزمة دستورية بدأت بإستقالة رئيس القضاء بابكر عوض الله وإنتهت بإنقلاب عسكري فى 25 مايو قضى على الديمقراطية وإليكم نص التعديل كما جاء في الغازيتة
إسم التعديل وبدء نفاذه
يسمى هذا التعديل «دستور السودان المؤقت (المعدل سنة 1964م) (تعديل) رقم (2) لسنة 1965»، ويعمل به في اليوم الذي تجيزه فيه الجمعية التأسيسية.
تعديل
تعدل المادة (5) من دستور السودان المؤقت (المعدل سنة 1964م) على الوجه 2ـ الآتي:
(1) يضاف الحكم الشرطي الآتي في آخر البند (2) من المادة 5:
«على أنه لا يجوز لأي شخص أن يروج أو يسعى لترويج الشيوعية سواء كانت محلية أو دولية أو يروج أو يسعى لترويج الإلحاد أو عدم الاعتقاد في الأديان السماوية أو يعمل أو يسعى للعمل عن طريق استعمال القوة أو الإرهاب أو أية وسيلة غير مشروعة لقلب نظام الحكم».
(2) يضاف البند الجديد الآتي بعد البند (2) من المادة 5.
«(3) كل منظمة تنطوي أهدافها أو وسائلها على مخالفة للحكم الشرطي الوارد في ذيل الفقرة (2) تعتبر منظمة غير مشروعة وللجمعية التأسيسية أن تصدر أي تشريع تراه لازماً لتنفيذ ذلك النص».
أما التعديل الثاني فكما أسلفنا قُصِد به إضعاف القضاء المدني بأن تم قسم السلطة القضائية إلى قسمين ولم تعد سلطة واحدة تخضع لرئيس القضاء وإليكم نص التعديل كما نشر في الغازيتة
تعديل الدستور الثاني
إستقلال القضاء الشرعي عن القضاء المدني
نحن شعب السودان الممثلين في نوابنا في الجمعية التأسيسية أصدرنا التعديل الآتي:
اسم التعديل وبدء العمل به
1- يسمى هذا التعديل «دستور السودان المؤقت (المعدل سنة 1964م) (تعديل) لسنة 1966»، ويعمل به من تاريخ إجازته من الجمعية التأسيسية.
أولاً: في البند (2) من المادة 19 بعد كلمتي «رئيس القضاء» تضاف الكلمات «وأقدم عضوين من أعضاء محكمة الاستئناف المدنية العليا».
ثانياً: يلغى الفصل التاسع ويستبدل به الفصل الآتي:
الفصل التاسع – الهيئة القضائية
تمهيد
89- (1) يتولى إدارة القضاء في السودان قسمان منفصلان ومستقلان يسميان الهيئة القضائية.
(2) الهيئة القضائية مسئولة أمام مجلس السيادة وحده عن أداء أعمالها.
قسما الهيئة القضائية
90- الهيئة القضائية تتكون من قسم للقضاء المدني وقسم للقضاء الشرعي وكل من القسمين منفصل ومستقل عن الآخر.
محاكم قسم القضاء المدني
91- يمثل قسم القضاء المدني:
(أ) محكمة الاستئناف المدنية العليا المنشأة بموجب المادة 92 من هذا الدستور.
(ب) المحاكم المنشأة بموجب قانون القضاء المدني وقانون العقوبات وقانون التحقيق الجنائي وقانون محاكم الرؤساء سنة 1931م وقانون المحاكم الأهلية سنة 1932 أو أي تعديل لتلك القوانين أو بموجب أي قانون آخر وتمارس الاختصاص الموضح في تلك القوانين وأي اختصاص يوكل إليها من وقت لآخر بقانون.
إنشاء وتكوين محكمة الاستئناف المدنية العليا
(92) (1) تنشأ محكمة استئناف مدنية عليا لا يقل عدد أعضائها عن خمسة تؤول إليها سلطات رئيس القضاء القضائية منها والإدارية.
(2) يحدد القانون عدد أعضاء محكمة الاستئناف المدنية العليا وعدد دوائرها واختصاصاتها وسلطاتها ومؤهلات أعضائها وأية تفاصيل أخرى تتعلق بها.
(3) مع مراعاة البند (4) يعين مجلس السيادة رئيس وقضاة محكمة الاستئناف المدنية العليا بالتشاور مع أعضائها.
(4) إلى أن يعين رئيس وأعضاء محكمة الاستئناف المدنية العليا وفقاً لأحكام هذه المادة يكون رئيس القضاء الشاغل لهذا المنصب وقت العمل بهذا التعديل رئيساً لمحكمة الاستئناف المدنية العليا كما يكون قضاة المحاكم العليا الأربعة الشاغلون لمناصبهم وقت العمل بهذا التعديل أعضاء بتلك المحكمة ويباشرون الاختصاص المبين في البند (3) من هذه المادة والمادة 93، والبندين (1) و(2) من المادة 99، والبندين (2) و(3) من المادة 99أ، والمادة 99ب وأية أعمال إدارية أخرى مبينة في هذا الدستور أو في أي قانون آخر.
(5) في حالة غياب رئيس المحكمة ينوب عنه في الرئاسة أقدم الأعضاء الحاضرين.
(6) لا يكون انعقاد المحكمة المشكلة بموجب البند (4) صحيحاً إلا بحضور ثلاثة أعضاء على الأقل بما فيهم الرئيس.
سلطات واختصاصات محكمة الاستئناف المدنية العليا
93- بالإضافة إلى الاختصاصات والسلطات المشار إليها في المادة السابقة تمارس محكمة الاستئناف المدنية العليا الاختصاصات والسلطات الآتية:
(أ) إصدار لوائحها الداخلية على ألا تتعارض مع أي قانون يكون معمولاً به.
(ب) الإشراف والرقابة الإدارية العامة على قسم القضاء المدني.
حراسة وتفسير الدستور
94- (1) تكون المحكمة المدنية العليا حارسة للدستور وتختص بالنظر والحكم في أية مسألة تشمل تفسير الدستور أو تطبيق الحقوق والحريات الممنوحة بموجب الفصل الثاني من هذا الدستور.
(2) تختص محكمة الاستئناف المدنية العليا بالنظر في أي استئناف يرفع إليها ضد أي قرار يصدر بموجب هذا البند السابق.
أداء القسم
95- رئيس محكمة الاستئناف المدنية العليا وأعضاء تلك المحكمة وقضاة المحكمة المدنية العليا يؤدون عند تعيينهم قسماً أو إعلاناً أمام مجلس السيادة بالصيغة الموضحة في الجدول الملحق بهذا الدستور ويؤدي أعضاء المحاكم المدنية الفرعية القسم أو الإعلان المذكور أمام محكمة الاستئناف المدنية العليا.
محاكم قسم القضاء الشرعي واختصاصاتها
96- يشمل قسم القضاء الشرعي:
(1) محكمة الاستئناف الشرعية العليا المنشأة بموجب المادة 97 من هذا الدستور.
(2) المحاكم المنشأة بموجب قانون محاكم السودان الشرعية سنة 1952م وأي قانون يصدر بتعديله أو يحل محله وتمارس الاختصاص الموضح في ذلك القانون وأي اختصاص يوكل إليها من وقت لآخر بقانون.
إنشاء وتكوين محكمة الاستئناف الشرعية العليا
97- (1) تنشأ محكمة استئناف شرعية عليا.
(2) يحدد القانون عدد أعضاء محكمة الاستئناف الشرعية العليا وعدد دوائرها واختصاصاتها وسلطاتها ومؤهلات أعضائها وأية تفاصيل أخرى تتعلق بها.
(3) مع مراعاة البند (4) من هذه المادة يعين مجلس السيادة رئيس محكمة الاستئناف الشرعية العليا ونائبه وقضاة تلك المحكمة بالتشاور مع أعضائها ويكون نائب الرئيس بحكم منصبه مفتياً للسودان.
(4) إلى أن يعين رئيس وأعضاء محكمة الاستئناف الشرعية العليا وفقاً لأحكام هذه المادة يكون قاضي القضاة الشاغل لهذا المنصب وقت العمل بهذا التعديل رئيساً لمحكمة الاستئناف الشرعية العليا والمفتي نائباً له كما يكون المفتي ومفتشو المحاكم الشرعية الشاغلون لمناصبهم وقت العمل بهذا التعديل أعضاء بتلك المحكمة. ويباشرون الاختصاص المبين في البند (3) من المادة 98، والبندين (1) و(2) من المادة 99، والبندين (2) و(3) من المادة 99أ، والمادة 99ب وأية أعمال إدارية أخرى مبينة في هذا الدستور أو في أي قانون آخر.
(5) في حالة غياب رئيس المحكمة ونائبه يتولى الرئاسة أقدم الأعضاء الحاضرين.
(6) لا يكون انعقاد المحكمة المشكلة بموجب البند (4) صحيحاً إلا بحضور ثلاثة أعضاء على الأقل بما فيهم الرئيس.
سلطات واختصاصات محكمة الاستئناف الشرعية العليا
98- بالإضافة إلى الاختصاصات والسلطات المشار إليها في المادة السابقة تمارس محكمة الاستئناف الشرعية العليا الاختصاصات والسلطات الآتية:
(أ) إصدار لوائحها الداخلية على ألا تتعارض مع أي قانون يكون معمولاً به.
(ب) الإشراف والرقابة الإدارية على قسم القضاء الشرعي.
التعيينات القضائية
99- (1) قضاة المحاكم المدنية والشرعية العليا يعينهم مجلس السيادة بالتشاور مع محكمة الاستئناف المدنية العليا أو محكمة الاستئناف الشرعية العليا بحسب الحالة.
(2) أعضاء المحاكم الفرعية في القسمين تعينهم محكمة الاستئناف العليا المختصة.
(3) لا يجوز إجراء أي تعيين يترتب عليه زيادة في عدد أعضاء الهيئة القضائية ما لم تأذن الجمعية التأسيسية بتلك الزيادة بقانون.
مدة شغل المنصب
99أ- (1) رئيس محكمة الاستئناف المدنية العليا ورئيس محكمة الاستئناف الشرعية العليا وأعضاء هاتين المحكمتين وقضاة المحاكم المدنية والشرعية العليا يبقون في مناصبهم حتى بلوغهم سن الستين على أن يكون لهم حق التقاعد بالمعاش منذ بلوغهم سن الخمسين.
(2) يجوز لرئيس محكمة الاستئناف المدنية العليا ورئيس محكمة الاستئناف الشرعية العليا وأعضاء هاتين المحكمتين وقضاة المحاكم العليا المدنية والشرعية في أي وقت الاستقالة من مناصبهم بإعلان مكتوب لمجلس السيادة ولا يجوز عزلهم من مناصبهم إلا بأمر من مجلس السيادة يصدر بناء على توصية صادرة من قضاة محكمة الاستئناف المدنية العليا وقضاة المحاكم المدنية العليا مجتمعين أو من قضاة محكمة الاستئناف الشرعية العليا وقضاة المحكمة الشرعية العليا مجتمعين، بحسب الحالة (عدا العضو الموصى بعزله) وإما بناء على توصية أجيزت في الجمعية التأسيسية بأغلبية ثلاثة أرباع الأعضاء.
(3) يظل أعضاء المحاكم الفرعية في قسمي القضاء المدني والشرعي في وظائفهم حتى يبلغوا سن الستين على أن يكون لهم حق التقاعد بالمعاش منذ بلوغهم سن الخمسين ويجوز لهم في أي وقت الاستقالة من مناصبهم بإعلان مكتوب موجه إلى محكمة الاستئناف العليا المختصة. ويجوز عزلهم من مناصبهم بأمر من مجلس السيادة بناء على توصية محكمة الاستئناف العليا المختصة.
تحويل السلطات
99ب- يجوز لمحكمة الاستئناف المدنية العليا أو محكمة الاستئناف الشرعية العليا أن تحول لرئيسها أو لأي عضو أو أكثر من أعضائها أو من غيرهم من القضاة أو الموظفين التابعين لها ما ترى مناسبة تحويله من سلطاتها الإدارية.
مرتبات وشروط خدمة الهيئة القضائية
99ج- (1) تكون مرتبات أعضاء الهيئة القضائية وحقوقهم في المعاش وفقاً لما يحدده القانون، وفي الوقت الحاضر تكون كما كانت عليه قبل العمل بهذا الدستور مباشرة على أنه لا يجوز بعد تعيين عضو في الهيئة القضائية تعديل مرتبه أو حقه في المعاش بما يعود عليه بالضرر.
(2) مع مراعاة أحكام هذا الدستور تكون شروط خدمة أعضاء الهيئة القضائية، بما في ذلك النصوص الخاصة بالتوظيف والتعيين والترقيات والنقل والتقاعد والتأديب والمعاش، وفقاً لما ينص عليه القانون، وفي الوقت الحاضر تسرى النصوص التي كانت سارية المفعول قبل العمل بهذا الدستور مباشرة.
تنازع الاختصاص
99د- (1) في حالة تنازع الاختصاص بين قسم القضاء المدني وقسم القضاء الشرعي يحال النزاع لاتخاذ قرار بشأنه إلى محكمة اختصاص تتكون من رئيس محكمة الاستئناف المدنية العليا ورئيس محكمة الاستئناف الشرعية العليا وعضو من كل من هاتين المحكمتين على أن تكون الرئاسة دورية بين رئيسي المحكمتين.
(2) تجيز المحكمة قراراتها بأغلبية الأصوات وفي حالة تعادل الأصوات يكون لرئيس الدورة صوت مرجح.
(ثالثاً) في المادة 110
(أ) في البند (1) تضاف الكلمات «إلى أن يتم تعديلها» في آخر ذلك البند.
(ب) يحذف البند (2) ويستبدل به البند الآتي:
«(2) إلى أن تصدر القوانين المتعلقة بمحكمة الاستئناف المدنية العليا تستمر لرئيس القضاء جميع السلطات القضائية الممنوحة له قبل العمل بهذا الدستور مباشرة.»
(رابعاً) في المادة 114
(أ) يلغى تعريف «رئيس القضاء» ويستبدل به التعريف الآتي:
«رئيس القضاء» «يقصد به الشخص الذي يرأس محكمة الاستئناف المدنية العليا، ويشمل الشخص الذي يعين للقيام بأعماله.»
(ب) يلغى تعريف «قاضي القضاة» ويستبدل به التعريف الآتي:
«قاضي القضاة» «يقصد به الشخص الذي يرأس محكمة الاستئناف الشرعية العليا، ويشمل الشخص الذي يعين للقيام بأعماله.»
التعديل الدستوري الثالث
أما التعديل الثالث فلقد هدف لمنع حل الجمعيىة التأسيسية قبل إنتهاء مدتها وكان السبب فيه حل الجمعية التأسيسية المنتخبة عام 65 بأمر من رئيس مجلس السيادة لمنع إسقاط الحكومة الإئتلافية التي كان حزب رئيس مجلس السيادة يمثل أحد أركانها. لما لم يكن هنالك نصاً دستوريا يجيز ذلك فلقد إستقال ثمانون عضوا من أعضاء الجمعية هم أعضاء الحزبين المؤتلفين وستة أعضاء يمثلون من بقي من الأعضاء المنتخبين على لائحة الحزب الشيوعي، مما أعطى مبررا لرئيس مجلس السيادة لحل المجلس.
عقب إنتخاب المجلس الجديد بأغلبية تتبع الصادق المهدي فلقد تم تعديل الدستور ليمنع تكرار ذلك ونورد نص التعديل فيما يلي
اسم التعديل وبدء نفاذه
1- يسمى هذا التعديل «دستور السودان المؤقت (المعدل سنة 1964م) (تعديل) رقم (6) لسنة 1968»، ويعتبر معمولاً به من 27/5/1968م.
تعديل
2- يعدَّل دستور السودان المؤقت (المعدل سنة 1964م) على الوجه الآتي:
(1)في آخر المادة 40 تحذف عبارة «التي تعقب فترة الانتقال»،
(2) تلغى المادة 53 وتستبدل بها المادة الآتية:
«مدة الجمعية التأسيسية
53- تستمر الجمعية التأسيسية إلى أن تضع وتصدر الدستور الدائم وقانون الانتخابات الصادر بموجبه على ألا يتجاوز ذلك مدة سنتين من بدء أول دورة انعقاد لها، ولا يجوز حلها
هذا ما كان من شأن التعديلات الدستورية التي أدخلت على دستور 64 أثناء سريانه
استمرت هذه الصراعات والمشاريع المتنافسة حتى وقوع انقلاب مايو 1969م. ومعروف أن مايو حكمت بسلسلة من الأوامر الدستورية إلى أن أجازت الدستور الدائم لجمهورية السودان الديمقراطية 1973
الحرب الأهلية في جنوب السودان
إنتفاضة أبريل كانت الإنتفاضة الثانية التي تتسبب فيها حرب الجنوب فقد كانت إنتفاضة 64 تسببت فيها ما عرف بحرب الجنوب الأولى وتسببت الحرب الأهلية الثانية في إنتفاضة أبريل
الحرب الأهلية الأولى نشأت عن تمرد قادته حركة مسلحة عرفت بإسم أنينيا ضد سلطة الدولة الناشئة في السودان والتي كانت تتولاها النخبة السياسية الشمالية في عام 55 وإستمرت في مواجهة الحكومات التي تعاقبت على السودان في الفترة من عام 55 وحتى عام 72 حيث تم توقيع إتفاقية السلام التي وقعها نظام جعفر نميري في 3 مارس 1972 بالعاصمة الاثيوبية أديس أببا مع حركة الانانيا. تحقق السلام نتيجة لتلك الإتفاقية لمدة طويلة نسبياً امتدت من تاريخ توقيع الاتفاقية إلى عام 1983، حين أخل جعفر نميري ببنود الاتفاقية فقرر إعادة تقسيم الإقليم الجنوبي إلى ثلاثة أقاليم وقلل من سلطات تلك الأقاليم من السلطة التي حددتها الاتفاقية للإقليم الجنوبي . وكانت هذه هي الشرارة التي أشعلت نار الحرب مرة أخرى بالإضافة لعوامل أخرى زادت من أوارها وأدت إلى تفاقمها، على رأسها قوانين سبتمبر 83
إشتعلت الحرب الأهلية الثانية حين تمردت إحدى الكتائب العسكرية المسلحة في مدينة بور في جنوب السودان عام 1983 نتيجة للإخلال بإتفاقية أديس أبابا. أوفد نميري العقيد جون قرنق الضابط بالجيش السوداني آنذاك للتفاوض مع الكتيبة المتمردة ، لكن قرنق وبدلا من إخماد التمرد تحالف مع المتمردين وأنشأ الحركة الشعبية لتحرير السودان والجيش الشعبي ذراعها المسلح.
الفترة الإنتقالية الرابعة
بعد انتفاضة أبريل 1985 التي أطاحت بنظام نميري، قام المجلس العسكري الانتقالي الذي تولى السلطة بإصدار الدستور الانتقالي لسنة 1985، الذي تم بإعادة إصدار دستور 56 بعد إدخال بعض التعديلات غير الجوهرية عليه. تولى المجلس العسكري السلطة التشريعية والسيادية وعين رئيس وزراء وحكومة مدنية لتجري إنتخابات لإنتخاب جمعية تأسيسية/ برلمان بعد عام من سقوط نظام مايو. ولقد تم ذلك بالفعل، وإنتخبت الجمعية التأسيسية السيد الصادق المهدي رئيسا للوزراء، والسيد أحمد الميرغني رئيسا لمجلس السيادة، وتم تشكيل حكومة إئتلافية من الحزبين. وظلت الخلافات الحزبية وشكل السيد الصادق عددا من الحكومات في تلك الفترة أبدل فيها شركاء حزبه. كان أهم حدث في تلك الفترة إتفاق الميرغني – قرنق والذي نص على تجميد مواد الحدود وكافة المواد ذات الصلة المضمنة في قوانين سبتمبر 1983م وإن لا تصدر أية قوانين تحتوي على مثل تلك المواد وذلك إلى حين قيام المؤتمر القومي الدستوري للفصل في مسالة القوانين
2ـ إلغاء كل الاتفاقيات العسكرية المبرمة بين السودان والدول الأخرى التي تؤثر على السيادة الوطنية
3ـ رفع حالة الطوارئ
4ـ وقف إطلاق النار
ورغم أنه كان من الواضح أن الطريق إلى الدستور الدائم يمر عبر بوابة حل النزاع في الجنوب إلا أن التحالفات الحزبية الشمالية كانت تشكل الطريق الأقصر إلى السلطة ومن ثم لم يحظ إتفاق الميرغني قرنق، والذي كان يفرش الطريق لحل السلمي، بالإهتمام الكافي وتم رفضه و لم تتخذ حكومات الصادق المهدي أي خطوة تجاه تبني الدستور الدائم، وأكتفت بأن يستمر حكم السودان بدستور 1956 المؤقت، الى أن وقع انقلاب الجبهة القومية الاسلامية
إنقلاب الجبهة القومية الإسلامية
قام نظام الجبهة في شكل إنقلاب عسكري. رغم أن الجبهة الإسلامية قد خططت وشاركت فى تنفيذ الإنقلاب، عن طريق عسكرييها ومدنييها الذين تزيوا بالزى العسكري ليلة الإنقلاب، ونفذوا عمليات إحتلال بعض المواقع المدنية، وربما العسكرية، وشاركوا فى إعتقال عدد من وزراء العهد الذى أسقطوه، وزعامات الأحزاب الأخرى، إلا أن العميد آنذاك عمر حسن البشير ظهر فى الإذاعة والتلفزيون معلنا سقوط النظام لصالح القوات المسلحة، وليس لصالح حزب معين، وتم إخفاء طبيعة الإنقلاب السياسية حتى وصل الأمر لإعتقال قيادات الجبهة الإسلامية ( إذهب إلى القصر رئيساً وسأذهب للسجن حبيساً).
الطريق لدستور 2005
بدأ البحث عن سبيل لإنهاء حرب الجنوب بإتفاقية الخرطوم للسلام 1997، وهى إتفاقية عقدها النظام مع المنشقين على قيادة الحركة الشعبية، لم تسفر عن وقف الحرب، وهو التكتيك الذى سيكرره النظام عدد من المرات فى دارفور، دون نجاح يذكر. ولكن بعد ظهور النفط، أخذ النظام منحى أكثر واقعية فى البحث عن إتفاق يحقق سلاماً. لم يكن الطريق سهلاً وقد إنتهى الأمر بالتوقيع على البروتوكولات المكونة لإتفاقية السلام الشامل بدءً من 2002 وحتى 2004. جاء دستور 2005 كنتاج لكل ذلك وهو دستور ديمقراطي في نصوصه التي إحتوت على كل مميزات الحكم الديمقراطي، وإن كانت الممارسة العملية ظلت ممارسة إستبدادية. ويبدو أن هذه الإزدواجية تسبب فيها أن الإتفاقية كانت نتاج عمل الجناح المعتدل في النظام، ولكن الجناح الأمنى فيه ما لبث أن عاد إلى تشديد قبضته على السلطة.
ملامح دستور 2005 الإنتقالي
الفارق الأساسي بين دستور 2005 والدساتير الإنتقالية التي سبقته تتمثل في مشاركة الجنوبيين لأول مرة في صياغة مسودة ذلك الدستور، أضف لذلك تعاظم نفوذ الجبهة القومية الإسلامية (المؤتمر الوطني) في صياغة المسودة على حساب النخبة الشمالية التقليدية مما جعل المسودة تخرج بشكل كامل عن إطار دستىر 56. ولنلقي نظرة سريعة على العوامل التي أدت لذلك.
ونتيجة لذلك فلقد حمل الدستور المظاهر التالية
1ـ الحكم اللامركزي وعبرت عن ذلك بشكل أساسي المادة 24 والتي حددت أربعة مستويات للحكم وهم المستوى القومي ومستوى جنوب السودان ومستوى الحكم الولائي وأدناها مستوى الحكم المحلي
وكذلك الأحكام الخاصة بالأجهزة التشريعية والتنفيذية للولايات
فوفقاً لأحكام الدستور يرأس الجهاز التنفيذي للولاية والٍ ينتخبه مواطنو الولاية وفقاً لنصوص هذا الدستور والدستور الانتقالي لجنوب السودان متى ما كان منطبقاً، ودستور الولاية والقانون، على أن يكون ذلك وفقاً للإجراءات التي تقررها المفوضية القومية للانتخابات.
كما يجوز للمجلس التشريعي للولاية، وفق أحكام دستور الولاية، حجب الثقة عن الوالي بموجب ثلاثة أرباع جميع أصوات الأعضاء.
إذا قام المجلس بحجب الثقة عن الوالي بموجب أحكام الفقرة (أ) أعلاه يدعو رئيس الجمهورية الناخبين في الولاية لانتخابات مبكرة لاختيار الوالي، تجرى خلال ستين يوماً، وإذا كانت الولاية المعنية من ولايات جنوب السودان يدعو رئيس الجمهورية الناخبين بعد تلقيه طلباً من رئيس حكومة جنوب السودان.
يقوم الوالي الذي ينتخب في الانتخابات المبكرة بتكملة الفترة المتبقية من ولاية الوالي الذي حُجبت عنه الثقة.
(د) إذا تمت إعادة انتخاب الوالي الذي حُجبت عنه الثقة، يعتبر المجلس التشريعي للولاية المعنية منحلاً، وتُجرى انتخابات خلال ثلاثة أشهر لتكوين مجلس تشريعي جديد لتكملة الفترة المتبقية للمجلس المنحل.
لا يجوز حجب الثقة عن الوالي إلا بعد أن يمضي اثني عشر شهراً في منصبه.
يعين الوالي مجلس وزراء الولاية وفقاً لدستور الولاية.
يكون الوزراء الولائيون مسئولين فردياً وتضامنياً عن أداء مهامهم أمام الوالي والمجلس التشريعي للولاية، ويتم إعفاؤهم بوساطة الوالي أو بناءً على توصية من ثلثي أعضاء المجلس التشريعي للولاية.
يمارس الوالي، بمشاركة مجلس الوزراء الولائي، السلطات التنفيذية للولاية ودستور الولاية.
كما وتبنى أحكاما خاصة بالعاصمة القومية شملها الباب العاشر
وكذلك فقد تبنى دستور 2005 بتأثير من الحركة الشعبية، أحكاما تعترف بالتعدد. ولكن إشتراك الجبهة القومية الإسلامية في وضع المسودة حد من متطلبات التنوع كما يبدو في المادة 5 والتي قررت في فقرتها الأولى أن تكون الشريعة الإسلامية والإجماع مصدراً للتشـريعات التي تُسن على المستوي القومي وتُطبق على ولايات شمال السودان. ثم قررت في الفقرى الثانية أن يكون التوافق الشعبي وقيم وأعراف الشعب السوداني وتقاليده ومعتقداته الدينية التي تأخذ في الاعتبار التنوع في السودان، مصدراً للتشريعات التي تُسن على المستوي القومي، وتُطبق على جنوب السودان أو ولاياته، فجعل الأخذ في الإعتبار بالتنوع في السودان فيما يتعلق بالشريغة الإسلامية قصرا على جنوب السودان.
أما في العاصمة القومية حيث كان تطبيق الشريعة الإسلامية في العاصمة القومية موضع نقاش طويل في نيفاشا لإصرار المؤتمر الوطني على تطبيق الشريعة الإسلامية في العاصمة باعتبارها جزءً من الولايات الشمالية، وإصرار الحركة على أن العاصمة القومية يجب أن تعكس التنوع الثقافي والديني في البلاد. انتهى التقاش آخر الأمر، بترتيب تصالحي حواه الباب العاشر من الدستور، بأحكام تحض على التسامح والإعتراف بالتعدد الديني، دون أن تتبنى أحكاما تشريعية تقضي بذلك. وإنتهى الأمر بتبني مواد لا قيمة لها في الفصل الخاص بالعاصمة القومية
مثال ذلك المادة 156(ب) ونصها كالآتى (يعتبر السلوك الناتج عن الممارسات الثقافية والأعراف ، الذى لايسبب إخلالاً بالنظام العام وإحتقاراً لأعراف الآخرين ولاتكون فيه مخالفة للقانون ، ممارسة للحريات الشخصية في نظر القانون )
هذه المادة يفترض أن توفر سبباً لإباحة بعض الأفعال المجرمة وإلا فلا فائدة منها لذلك فإنها حين تتطلب في الفعل الذى تبيحه أن لايكون فيه مخالفة للقانون تلغى مبرر وجودها لأن ما هو غير مخالف للقانون مباح أصلاً دون حوجة لنص
من ذلك أيضاً المادة 156 هـ ونصها كالآتى (تراعى المحاكم عند ممارسة سلطاتها التقديرية في توقيع العقوبات على غير المسلمين المبدأ الراسخ في الشريعة الإسلامية أن غير المسلمين من السكان لايخضعون للعقوبات الحدية المفروضة وتطبق عليهم عقوبات تعزيرية وفقاً للقانون )
وهى تثيير أسئلة عديدة فإذا كان المبدأ الراسخ في الشريعة الإسلامية هو أن لا يخضع السكان من غير المسلمين للعقوبات الحدية فهل يخضعهم القانون لها ؟ وإذا كانت الإجابة بالإيجاب فلماذا لاتعالج المسألة تشريعياً وإذا كانت بالنفى فما هو جدوى هذه المادة ؟ وماهو المطلوب دستورياً من المحاكم في العاصمة القومية هل تطبيق القانون أو مخالفته وكل هذه المسائل تجعل المرء يشك في جدية المعالجة.
من جهة أخرى فلقد تضمن الدستور أحكام تعكس التنوع بشكل جيد فيما يتعلق باللغة تضمنها المادة 8 من الدستور والتي قررت أن جميع الُلغات الأصلية السودانية لغُات قومية يجب احترامها وتطويرها وترقيتها وأن العربية هي اللغة القومية الأوسع انتشاراً في السودان.
وتكون العربية، باعتبارها لغُة رئيسية على الصعيد القومي، والإنجليزية، اللغتين الرسميتين لأعمال الحكومة القومية ولغتي التدريس في التعليم العالي.
كما وأجازت لأي هيئة تشريعية دون مستوى الحكم القومي أن تجعل من أي لغة قومية أخرى، لغة عمل رسمية في نطاقها وذلك إلى جانب اللغتين العربية والإنجليزية.
(5)وأخيرا منعت التمييز ضد استعمال أي من اللغتين العربية أو الإنجليزية في أي مستوى من مستويات الحكم أو في أي مرحلة من مراحل التعليم.
ولقد نصت المادة السابعة على أن تكون المواطنة أساس الحقوق المتساوية والواجبات لكل السودانيين
ولقد خرج دستور 2005 عن نظام الحكم البرلماني والذي تبنته الدساتير الإنتقالية السابقة وتبنى الدستور الرئاسي وجعل رئيس الجمهورية هو رأس الدولة والحكومة ويمثل إرادة الشعب وسلطان الدولة، و يشرف على المؤسسات الدستورية التنفيذية، ويعين شاغلي المناصب الدستورية والقضائية وفقاً لنصوص الدستور والقانون. وهو الذي يرأس مجلس الوزراء القومي، ويدعو الهيئة التشريعية القومية للانعقاد أو يؤجل انعقادها أو ينهي دورتها، ويعلن الحرب، ويعلن وينهي حالة الطوارئ
كما ومنحه سلطة تشكيل مجلس الوزراء القومي ويكون هو ونائباه أعضاء في مجلس الوزراء القومي والذي تسود قراراته على جميع القرارات التنفيذية الأخرى.
يتمتع رئيس الجمهورية والنائب الأول بحصانة في مواجهة أي إجراءات قانونية ولا يجوز اتهامهما أو مقاضاتهما في أي محكمة أثناء فترة ولايتهما.
على أنه يجوز اتهام رئيس الجمهورية أو النائب الأول أمام المحكمة الدستورية في حالة الخيانة العُظمي أو الانتهاك الجسيم لأحكام الدستور أو السلوك المشين المتعلق بشئون الدولة، شريطة صدور قرار بذلك من ثلاثة أرباع جميع أعضاء الهيئة التشريعية القومية.
في حالة إدانة رئيس الجمهورية أو النائب الأول يُعتبر كما لو كان قد تخلى عن منصبه.
بالنسبة للحريات العامة فلا بد لنا من أن ننوه إلى أنه رغم أن دستور 2005 حملت نصوصه وثيقة حقوق هي أحسن وثيقة بالنسبة لكافة الدساتير الإنتقالية السابقة، إلا أن الممارسة الإستبدادية لنظام الإنقاذ ظلت على حالها بعد دخول الدستور في حيز التنفيذ. ولقد لجأ النظام لإبقاء قبضته على حالها بأن أبقي القوانين القمعية التي كان أصدرها في الحقب السابقة ولم يعدلها لتتواءم مع النصوص الدستورية. وقد شمل ذلك كافة الحقوق والحريات العامة ولضيق المجال نضرب مثلا بحق التجمع السلمي بإعتباره الحق الأوسع إنتشارا من حيث الممارسة. رغم أن وثيقة الحقوق نصت على حماية حق التجمع السلمي، فلقد إستمرت السلطات في تطلب الحصول مسبقاً على تصديق بالنسبة للتجمعات بنوعيها سواء أكانت المتحركة ( المظاهرات أو المسيرة) أو الثابتة ( الإجتماعات العامة)، وهي سلطة إنتزعتها لجنة الأمن في الولاية، ولجانها الفرعية، لنفسها قبل دخول الدستور في حيز النفاذ، إستناداً على السلطات الواردة في المادة 127 إجراءات جنائية ،والتي تنص على أنه “يجوز لأى وال ، حاكم ، معتمد او محافظ فى حدود دائرة اختصاصه وبالتنسيق مع وكيل النيابة او القاضي المختص أن يصدر أمراً بحظر أو تقييد أو تنظيم أى اجتماع أو تجمهر أو موكب فى الطرق أو الأماكن العامة مما يحتمل أن يؤدى إلى الإخلال بالسلام والطمانينه العامة”. ورغم أن هذه السلطة لم تتطلب أخذ تصديق مسبق إلا أن السلطة التنفيذية أصبحت تستند عليها لتفريق أي مسيرة لم تحصل على تصديق مسبق، ما لم تكن راضية عن محتوى المسيرة، دون أن تحفل بالنص الدستوري.
لكي يكون التجمع سلمياً فإن منظميه يجب أن يعبروا عن نواياهم في سلمية التجمع وان يكون سلوك التجمع بعد إنعقاده سلمياً. والمقصود بسلمي هو السلوك الذي يخلو من العنف حتى ولوكان يتضمن تعبيراً عن رأي من شأنه أن يزعج، أو يضايق الآخرين، أو يعرقل ممارستهم لنشاطهم العادي، حسب تعريف المفوضية الأوروبية للديمقراطية من خلال القانون، المعروفة باسم مفوضية فينيس. تطلب التصديق المسبق مخالف لحرية التجمع السلمي لقد سبق وقررت مفوضية حقوق الإنسان الأفريقية في الدعاوي المرفوعة ضد حكومة السودان من قبل منظمة العفو الدولية وآخرين عدم دستورية هذه السلطة، عندما تعرضت للمرسوم الدستورى الثانى لسنة 1989 والذي كان في المادة 6 (3) (د) يحظر القيام بدون إذن خاص بأي تجمع لغرض سياسي في مكان عام أو خاص. ذكرت اللجنة أن ذلك الحظر العام لا يتناسب مع الإجراءات المتطلبة من الحكومة للحفاظ على النظام العام، والأمن، والسلامة العامة، وقد رأت اللجنة في ذلك خرق للمادة 10 (1) من الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب. يجدر بنا أن نذكر أن الميثاق لأفريقي قد أصبح بعد ذلك جزءاً لا يتجزأ من دستور2005 بموجب حكم المادة 27 3) منه. رغم النصوص الدستورية التي تحمي حق التجمع السلمي فلقد ظلت سلطة الإنقاذ تفرق بالقوة المواكب المعارضة لها، إستنادا على تفسيرها لنص تشريعي مخالف للدستور.
يبدو جليا بمراجعة الفترة من سريان نص دستور 2005 وحتى إنفصال الجنوب أن تطبيق الأحكام الدستورية الإنتقالية، لم يؤدي لتأسيس نظام ديمقراطي بسبب ما حمله تطبيق الدستور من إنفراد الحزب الوطني بالسلطة في شمال السودان مع ترك الأمر في جنوب السودان للحركة الشعبية، وهو الأمر الذي مهد لإنفصال الجنوب وعدم تأسيس نظام ديمقراطي في أي من الشطرين.
بشكل عام فلقد شاب تطبيق الدستور في الفترة الإنتقالية إخفاقات أهمها الإخفاقات التالية :-
الفشل في مواءمة القوانين مع الدستور، ويبدو ذلك من أمرين: الأول أن كل القوانين القهرية بقيت على حالها، دون تعديل وحتى تلك التي تمت إعادة إصدارها حملت كل السمات السلطوية، التى كانت موجودة فى القوانين التى حلت محلها .
فشلت المحكمة الدستورية في حماية الحريات الديمقراطية، فلم تقم بإلغاء المواد التي تتعارض أحكامها مع أحكام الدستور، والتي حملتها القوانين التي صدرت قبله، رغم أن سلطاتها كانت تجيز لها ذلك. ورغم تقديم طعون أمامها تطالب بذلك.
فشل القضاء العادي في الإمتناع عن تطبيق أي أحكام مخالفة للدستور، رغم أن سلطاته كانت تسمح لها بذلك، ورغم وجود كثير من الأحكام القانونية المخالفة للدستور، ورغم تقديم طلبات أمامه تطالب بذلك .
إستمر الحزب الحاكم فى السيطرة على كل مفاصل الدولة، وإستخدام أجهزة الدولة الدائمة لصالح السياسات الحزبية .
تم الإلتفاف حول الحريات الدستورية، عن طريق الممارسات السلطوية لدى أجهزة الدولة.
تم إحتكار الدولة لوسائل الإعلام والتضييق على حرية الصحافة والتعبير .
إستمرت السيطرة على النقابات العمالية والمهنية، بأسالبيب غير ديمقراطية.
كل هذا حد من فاعلية الحقوق الدستورية، وقد ساهم إفتقاد التقاليد الديمقراطية لدى التكوينات السياسية، في أن يقلل فرص الضغط على النظام ليقبل تطبيق المواثيق التي وقعها وقبل بها .
أدى كل هذا في النهاية إلى أن تقرر الحركة الشعبية أن تهرب بنصيبها من السلطة والثروة الذي قسمته لها الإتفاقية جنوباً، وكانت إنتخابات 2010م، وما صحبها من إنسحاب بدون مقاومة من أحزاب المعارضة الشمالية، هي آخر مسمار في نعش السودان الموحد .
على أي حال في يوم السبت التاسع من يوليو/ تموز 2011 تم إنفصال الجنوب ولم تعد الحركة الشغبية جزء من الإئتلاف الحاكم وعاد السودان لحكم المؤتمر الوطني.
ويمكننا الآن القول بأن إتفقية السلام الشامل إنتهت إلى بلدين و أن النتيجة النهائية لفترتها الإنتقالية هي أن السودان فقد ثلث أراضيه دون أن يكسب سلاماً ولا ديمقراطية، فلقد ظل يرزح تحت حكم إستبدادي، وفي حرب أهلية، ولكن الحرب الأهلية إنتقلت بكامل ثقلها إلى غرب السودان.
لم يعد الدستور الإنتقالي كافيا للشعب ولا للسلطة. فلقد كان بالنسبة للأول أقل من طموحه للحرية وللثانية أقل من طموحها للسيطرة وهذا ما قادنا لإنتفاضة 2013.
أدى إنتقال الحرب الأهلية إلى غرب السودان إلى إنهاك ميزانية تعاني من فقدان أموال البترول بسبب ذهاب الجنوب، مما تطلب زيادات في الضرائب والرسوم، أدت إلى رفعت الأسعار بشكل غير مسبوق بعد اعلان الزيادات في الاسعار انفجرت انتفاضة سبتمبر 2013م ، التي شملت اغلب مدن السودان. مستعينة بشعارات الربيع اعربي وأهمها وأبعدها أثرا شعار الشعب يريد اسقاط النظام
واجهت السلطة الفاشية المظاهرات بالعنف المفرط والذي ادي الي استشهاد حوالي 250 ، ومئات الجرحي ، والمعتقلين. كما تسببت الانتفاضة إنشقاقات داخل حزب المؤتمر الوطني الحاكم ، كما احدثت تململا واضحا وسط قواعد الأحزاب المشاركة. اصيبت السلطة بهلع شديد كما تجلي في العنف المفرط ، ودفعت بقوات الدعم السريع التي كانت كونتها للحرب نيابة عنها في دارفورلمواجهة المتظاهرين. كما وقامت بإغلاق الانترنت والصحف والقنوات الفضائية مثل ” العربية ” و ” اسكاي نيوز”.وقد أفلحت السلطة في نهاية الأمر في إخماد الإنتفاضة مؤقتا ولكن جذوتها ظلت متقدة، مما أدى إلى إندلاعها مرة أخرى في ديسمبر 2018 بشكل نهائي، قاد النظام إلى نهايته المحتومة.
عقب إخماد إنتفاضة عام 2013 وفي نهاية عام 2014 لجأ النظام إلى وضع تعديلات على الدستور بغرض إحكام قبضته على السلطة ، وتم تمرير التعديلات وعددها 18 بالاجماع في برلمان الإنقاذ الصوري.
هدفت التعديلات إلى سحب الملامح الديمقراطية في الدستور وأهمها تقوية سلطة رئيس الجمهورية على الولايات، فسحبت حق الولاية في إنتخاب الوالي وتحولت لسلطة تعيين في يد رئيس الجمهورية، وأصبح النص يقرأ كالآتي: ” يعين الرئيس ولاة الولايات وشاغلوا المناصب الدستورية والقضائية والقانونية الأخري وقيادات القوات المسلحة والشرطة والأمن ويعفيهم وفق أحكام القانون”.
وكذلك تم تعديل المادة الخاصة بجهاز الأمن والمخابرات، والتي كانت تحصر صلاحيات جهاز الأمن في ” جمع المعلومات والتحليل” ونصها” يكون خدمة الأمن الوطني خدمة مهنية وتركز في مهامها علي جمع المعلومات وتحليلها وتقديم المشورة للسلطات”.
تم تديل النص لبصبح: ” يكون جهاز الأمن قوة مهمتها رعاية الأمن الوطني والداخلي والخارجي ، ويعمل هذا الجهاز علي مكافحة المهددات السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية كافة والارهاب والجرائم العابرة الوطنية”.
وهكذا لم تعد السمات الديمقراطية المتبقية في دستور 2005 الإنتقالي أكثر من نصوص ميتة تهزمها القوانين الإستبدادية المطبقة فعليا والسلطات النافذة للحكام التي لا تقف في وجهها نصوص تشريعية ولا دستورية
وهكذا سقط النظام بدستوره في أبريل 2019 ولم يكن هنالك خيارا للثوار سوى أن يحتكموا للوثيقة الدستورية
نبيل أديب عبد الله
المحامي